كتابنا

اللحدة/ محمد افو

” اللحدة” :

للعقل روح وللروح عقل، وبتوازن عمل هذا الثنائي يكون الإنسان مطمئن الروح ومستقر العقل.

هناك أسئلة تقليدية في الإلحاد، ومنها ” سؤال الغاية” وهو سؤال يعم الوجود حينا ( غاية الخلق) ويتخصص في بعض حيثياته أحيانا أخرى، كالسؤال عن مفهوم الإبتلاء والذنب والعقوبة وعلاقتهما بالعدالة ( ويشتق منه السؤال موجب الحديث “لماذا يعذب الله المؤمنين بالموت حرقا أو غرقا وعلى ماذا يعاقب الذين ولدوا مشوهين.. الخ).

حدث الكثير من الخلط في المعايير المتعلقة بمحاكمة الدين بمعايير المنطق الجاف أو العكس.

وهذ الخلط أفضى إلى فوضى في التصورات لدرجة جعلت من أتفه الأسئلة ( الشبهات) قضية معضلة يمكن أن تشكل دافعا للكفر باليقينيات الدينية.

القاعدة المنطقية الأولى : الجهل بالشيء لا يعني انتفاءه
فعندما لا ترى السبع بعينك بينما يحيطك تواتر عن رؤيته فلن ترسل بقراتك دون حراسة ورعاية، لأن جهلك منتف بمعرفة غيرك لا بعلمك.

القاعدة الثانية : البدن الذي يحوي العقل هو ذاته الذي يحوي الروح.
عندما تعشق إحدى الفتيات فقد تلاحظ أنها ليست أجمل من تعرف، ولا اعقل ولا أغنى ولا أعلم ولا حتى الأكثر انسجاما معك .. الخ
لكنك تحبها..
تلك الملاحظات خاضعة لقانون العقل، لذلك ستجد صعوبة في تحديد هوية اختيارك وأسبابه ( وانت باط عاقل حكحك)

قد تحب فتاة متزوجة..
وعقلك سيدرك ذلك لكن روحك غير معنيه به
قد تكون فراشا وهي أميرة ويستحيل ضمن منطق العرف أن تتبادل معها شطر جملة..
العقل هو الذي يتحدث لكنه الروح غير معنية بحديثه.

في هذه الحالة سيكون عليك أن لا تسلط العقل على الروح التي لا تخشع لمعاييره ولا ان تسلط الروح على العقل الذي لن يفهم لماذا أحببت “افيطمات” متوسطة الجمال وزاغ قلبك عن جارتك “ميلمنين” التي تدفع الفجر للخجل من جمالها.

في هذه الحالة سيكون عليك مسايسة الروح بقانون يخصها وهو السلوان والتناسي، وهذا القرار يكون من خلفه دافع العقل.
بمعنى أن العقل هو من اخبرك بتعذر حصولك على محبوبتك، لذلك قررت أن تعترض جموح الروح بقانون الروح.

هذه شراكة تقتضي التوازن لأن نكران أحدهما للآخر متعذر رغم دوافعه المنطقية،لهذا فإن الإعتراف بحلولهما في حيز مادي واحد،( الجسد) هو معجزة الوجود البشري.

العقل والروح يتشابهان في اللياقة والتحرر من المادة، لكنهما مجبران على الاعتراف بأنهما ينتفيان بانتفائها ( سقط المنطق وشيد منطق جديد).
مفاد هذا المنطق الجديد هو أن تعذر المعرفة أو الإدراك لا يقتضي انتفاء غير المدرك.

القاعدة الثالثة : السؤال فراغ في حيز العلم بالشيء لا علم به أوبنقيضه .
حين تقع في حيرة من إجابة ما أو إدواك حقيقة ما أو تصديق أطروحة ما، فأنت في حيز الجهل بها، وتتطاول العلو اللازم لإدراكها، لذلك فإن الشك ليس حالة يقينية بذاته وقرار الكفر أو الإيمان لا يتأسس إلا حالة اليقين.

فإذا كنت كافرا منكرا لوجود الله فعليك أن تتجاوز حيز السؤال المتقصي للعلم إلى حيز اليقين النافي للجهل.

“اياك ماتعود عيشة رخمة” لا أنت بالمؤمن تسليما ولا بالكافر المتحقق بالدليل على نفي المثبت قبلا.
لأن الجهل بالشيء ليس معرفة بنقيضه. ( ذيك شكلة فبداية الطريق تتوقف عندها عيشة رخمة دائما باعتبارها نهاية البرهان)

القاعدة الرابعة : هناك فرق بين الإيمان والمعرفة
الإيمان ليس قرارا متحايثا مع المنطق الجاف وإنما إقرار ينبع عن جاذبية المنطق المرن.

لذلك تعتبر عبارة “إيمان” قريبة النسب من التسليم، والتسليم يكون بعد الدفع والتدافع.
بينما تخضع المعرفة للمنطق الرياضي من حيث القدرة على تصور البرهان بدهيا وليس وجدانيا.

هناك باطبع من يعتقد أن المنطق اكتشاف ناتج عن تفاعلاته العقلية حصرا..
لكن الحقيقة غير ذلك..
لأن كل سؤال يتعلق بالعقيدة، يبدأ بلماذا وكيف، قد تم طرحه في مختلف العصور وتمت مناقشته حتى لم يبق من شوارده إلا وارد.

ونقل تلك الأسئلة دون التبحر في تاريخها دليل علمي ومنهجي على استخدامها لتعضيد شكلي لموقف يعتبره أصحابه حداثة وتحررا وثورة على الواقع.
“ابدييييي، ذاك فاتو مصوه لعجول، وذي فليكة الدنيا التالية”

لقد حلق المتكلمون المسلمون في سماوات إثبات الصفات أو نفيها، وفي معقول النص ومنطوقه وتباروا في حجية الناسخ والمنسوخ ومعقوليتهما، وتراشقوا بالحجج والبراهبن على جواز الصفة وهل ينفي الإختلاف أم يخصصه.

فعلوا ذلك بعد” الين وگفو ذيك القراية واللخة “المتعلقة بإثبات الإله وتثبيت الطوطم وأهبة الحواس المادية والذهنية ودلالاتها على التكامل بين السابق واللاحق وكمون الوجود في العدم والعدم في الوجود… الخ

وكل جملة تبدأ ب “إذا كان الله..” فتلك من خربشات التتلمذ الأولى وقضي منها ما قضي علي يد العلماء والفلاسفة، بمساجلات موجودة في ذات المنصات الإلكترونية اللتي توجد عليها كل الروايات اللاتينية ونظريات “موت الإله” .
وهي إلى ذلك لا تستدعي معرفة إضافية بتقنيات القراءة،

لكنني أريد أن أجيب على السؤال بعد هذه المطولة إجابة له في تلك الرؤوس التي تخاف المادة 304، أو صولات الزبد الجوفاء التي تشبه القرش في تحسس الدم ورغبته.

الإيمان إدراك وجداني، والمعرفة إدراك حسي، والتأسيس للسواء يقف متوازنا بدقة بينهما ومعتمدا على كل منهما بذات الوزن.

حين تصر على الإدراك الحسي “مالاهي تروح عليك شايلة من ذوك قبيل”

وحين تصر على الإدارك الوجداني فسيقتلك زوج تلك التي أحببتها وهي متزوجة.

هناك ما تدركه روحك وهناك ما يدركه عقلك وأنت وعاء ببن الإثنين، تنفخ في العقل بعض روحك وتعلق بالروح بعض أثقال عقلك.
لذلك سيقتضي منك المنطق حين تحاكم الله أنك تحاكمه باعتباره موجودا لا تدرك كامل غاياته أو تتساءل عن مقتضى حكمته.

أو أن تنفيه والنفي بحد ذاته يحتاج اعتقادا بالإثبات إذ النفي لا يكون إلا بعد إثبات..

لا شك أنك الآن تتساءل وتقول “آه صحيح” كيف أحاول نفي لا شيء غير موجود؟

لكنني سأجيبك نيابة عن نفسك،

أنت تفسر تفكيرك تفسيرا خاطئا، لأن التساؤل بذاته دليل جهل لا ينتظر من صاحبه التعالم واحتلال منصة القاضي أو الحكيم الذي يمكنه أن ينفي عقل أمة برمتها في جملة واحدة ( التدوينة) لو بحثت عنها في جوجل لوجدتها متكررة بنصها ملايين المرات .

للمنطق واجهتان، إحداهما واضحة وجلية وبراقة ، لكنها منه بمنزلة القشر من الجذع، ( هشة ومتخلخلة وجافة وتزول باستمرار ).

لكن الجذع حي وقوي وراسخ ويقوم بالكثير من المهام ويحقق الكثير من الغايات للكثير من الأحياء والجمادات.

ثم إن المعقول ليس ما عقلته أنت وإنما تم تعقله من مختص، فأنت تفاخر بوصول العلم إلى الحديث عن الثقوب السوداء التي لا تعرف عنها أكثر مما تعرف عن غايات الوجود ( لا شيء).

وتجهل كل الفلسفات إلا جزئيات الحيرة التي وقف حمارها في عقبة الشك.

طيب..

هناك الإرادة والغاية، وهناك فرق..
فالارادة هي قرار الفعل والغاية من الفعل يدركها الفاعل حضوريا دون غيره حتى يخبر عن تلك الغاية من يشاء.

ودعنا لا نذهب بعيدا..

أنا وأنت شاهدنا “الملا” ” دمبره السمان” ، يخرج مبكرا حاملا شنطة سفره للمرة الأولى..
كلانا يتساءل الآن إلى أين يتجه؟ ولماذا هذا السفر المفاجئ؟

ونحن في حالة الترقب والتساؤل تلك، مر بنا ولي الله أحمد سالم زياد يقتاد ولده من قفاه غاضبا، فانتابنا الفضول و التساؤل عن سبب غضبه ولماذا يقتاد إبنه بهذه الطريقة.

ستلاحظ أننا لحظة تساؤلنا نحتمل ونكتمن الكثير من خيارات الإجابات لكننا نجهل غاية دمبرة ونجهل ايضا أسباب غضب ابن زياد ولماذا يقتاد ابنه بتلك الطريقة.

السؤال هنا..
هل يقتضي جهل كل الناس بوجهة ذاك وغاية هذا، أن لا غاية من سفر الأول ولا حكمة من تصرف الثاني؟

“ذا اص ارانا مزلنا هون فزر لخيام”

جهلنا بالغاية لا ينفيها وإدراكها في هذه الحال لن يكون بمعرفتها بذاتها وإنما بالبرهنة عليها من خلال حركة نسبية الدلالة في مشهود الواقع.

وإذا كان لدمبرة وابن زياد غايات من فعلهم بالضرورة، فالخالق المتصرف في خلقه له المثل الاعلى.

أما الإيمان بذلك الخالق فهو من مدركات الروح العاقلة لا العقل ” الرايح”.

محمد افو

.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق