كتابنا

السفسطة الجديدة ( منهجية أكثر متأسلمي العصر )

 منهجية جل الإخوان ، وأغلب من يدعون إسلامية نهجهم الفكري والسياسي ، منهجية بعيدة تمام البعد عن مبدئيات وأدبيات العمل الإسلامي النبوي ، حيث تقوم على الإقصاء ، والتكفير ، ولعن الأموات ، ومصادرة الحقيقة ، ورفض الحوار ، ومعرفة الحق بالرجال ، واقتصاص أجزاء الآيات ، ولي أعناقها ، وتغييب الأحاديث التي تتعارض مع المصالح والأهواء . إنها منهجية تجد للحجاج مبررات ، وتراه مجاهدا ، وتلعن جمال عبد الناصر في قبره ، وتبرر لسيد قطب أخطاءه الفادحة في حق الأنبياء والصحابة ، وتكفر إيران لسبها الشيخين ، لكنها لبثت فترة طويلة جدا قبل ” الحرب في سوريا ” ، دون أن تكفرها، ودون أن تفسقها حتى ، فقد كانت من قبل لا تشكل خطرا كبيرا على مصالحها ، ولما وقع اليوم بينهما خلاف ، أصبح الإيرانيون كلهم ” كفرة فجرة “، وصار قوله تعالى : ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذينَ آمنوا اليهودَ والذين أشركوا…) الآية، يبدل فعلا وقولا ب : لتجدن أقرب الناس مودة للذين تأسلموا صهيون ، وأشدهم عداوة لهم إيران ، وسوريا ، وحزب الله ، ومن قال الحق سنيا كان أم شيعيا . منهجية المتأسلمين تقدس الأشخاص على حساب الله ورسوله ، فآردوغان ، مثلا ، إذا تنصرغدا أو تهود، يقول المتأسلمون إنه داخل في قوله تعالى : ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) ، لكنهم إذا رأو غيره ممن ليس في ركبهم ارتكب ذنبا ، أو خطأ لا يدخل في الكبائر ، فإنهم لن يتأخروا عن لعنه ، وإشهار بطاقة التكفير الحمراء في وجهه لإخراجه من حصن الله: ” لا إله إلا الله ” ، وإدخاله في حظيرة المهدورة دماؤهم من الكفار”الذين لا يقبل الله توبتهم أبدا”. والواقع أن هذا النهج الجائر، ذا الوجهين قد أشار إليه أحد أكبر مثقفي ومنظري الجماعة ، هو الدكتور فتحي يكن ، حيث يقسم مدارس العمل الإسلامي إلى مدرستين متناقضتين : ــ”المدرسة الأولى : ( وهي التي تسود العالم الآن ) ، تقوم على تبرير الأخطاء ، وتلمس الأعذار لكل مايحدث ويقع ، بما في ذلك التستر على المخطئين فضلا عن الخطيئة ، مادام هؤلاء يظهرون الطاعة لأصحاب هذه المدرسة ، ويقدمون مراسم الخضوع والولاء !! إنها أشبه بالمدرسة (الميكيافيلية ) ولكن باسم الإسلام (…). ـــ المدرسة الثانية ( وهي مغيبة عن واجهة العمل الإسلامي ، ومغلوبة على أمرها ) ، (و) تعتمد النقد الذاتي البناء ، ووضع الأصابع على العلل والمشكلات ، أيا كانت أو كان المسؤول عنها ، وتبني قاعدة الثواب والعقاب ، وأن الحق فوق الجميع ويجب أن يكون متبعا ، وأن الرجال يعرفون بالحق ولا يعرف الحق بهم ، وأنه حجة على الناس أجمعين”1. ثم يتحدث الدكتور عن منهجيتين ، يمكن أن تربطا ، على التوالي ، ودون تعسف بالمدرستين المذكورتين . فالمنهجية الأولى : تقوم على ” مايعرف ب ( النهج التبريري ) . وهو النهج الذي يقوم على تلمس مبررات شرعية لأخطاء مرتكبة ، من شأنها طمس الحقائق ، وإقفال الملفات ، وعدم الاستفادة من التجارب ، وتقديم فتاوى شرعية موهومة ، للهروب من الأخطاء بدل الاعتراف بها ، والوقوف عندها ، وتحصين الساحة من مخاطرها ، ولعدم الوقوع فيها ، ومعاودة تكرارها ، انسجاما مع التوجيه النبوي الشريف : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين . هذه المنهجية ليست إلا تحايلا على الشرع والتفافا على الحقيقة ، وإصرارا على المعصية . ( إنها منهجية المدرسة الأولى ، ويعتبرها الدكتور منهجية شيطانية ). 2 أما المنهجية الثانية ” فهي تلك التي ترسم مسالك الهدى والرشاد ابتداء ، وتضع الضوابط الشرعية الكفيلة بدرء المفاسد وجلب المنافع ، وإصلاح الراعي والرعية . وليست تلك التي تبحث في الشرع عن مسوغات الانحراف ومبررات الالتواء بعد وقوعها . فالحق أحق أن يتبع ، والإسلام شاهد على الناس ..كل الناس ، وهؤلاء جميعا ( أي الناس ) ليسوا حجة على دين الله وشرعه ، وهم يعرفون بالحق ، ولا يعرف الحق بهم …” 3 وهذه المنهجية ترتبط بالمدرسة الثانية ، ويسميها فتحي يكن ب ” المنهجية الربانية ” والواقع أن الذي يسود عالمنا الإسلامي الآن هو المدرسة الأولى ، التي تعتمد التحايل ، وتلفيق الحقائق ، وتبرير الزلات والأخطاء التي ترتكبها ، وتكيل بمئات المكاييل ، وتنبز الناس بالألقالب وتكفرهم ، ولو أنها اكتفت بذلك لأمكن الصمت والسكوت عنها ، ولو مؤقتا ، ولكن المشكل أنها تريد أن تحصر الإسلام والحقيقة في زاويتها ، وأن تجعل نفسها “شعب الله المختار ” اقتداء بحلفائها اليهود الصهائنة ، وتريد تغيير مبادئ الأمة ، وثوابتها ، لتضيع بقية الحلم الإسلامي العربي . والخطر الأكبر الذي بدأ يتهددنا كأمة إسلامية ، جراء انتشار نهج هذه المدرسة ، هو أن الإسلام سيظهر بمظهر جلف ، لا يقبل التعاطي الحضاري مع الآخر ، ولا يستطيع حل مشاكله الداخلية إلا بالإقصاء ، ومن ثم يكون متناقضا مع ذاته ، ومبادئه التي حددها ، ويصير عثرة في وجه تطور الحضارة الإنسانية . والإسلام الحق ـ بطبيعة الحال ، يمثل جوهر الحضارة ، ونموذج التعاطي والانفتاح والوعي . كما أن انتشار فكر المدرسة التبريرية يجعل كل فعل ، مهما كان مخالفا للقيم والعرف والدين والمبادئ ، مقبولا ومبررا ، مادام يخدم المصلحة الذاتية للمدرسة ، فتصبح فلسطين ، ومكة والمدينة و سائر بلاد الإسلام سلعة للبيع ، مادام الأمر يخدم الجماعة التي تمثل ” أحباء الله على الأرض ” . وإذا ضاع المبدأ فاقرأ على الأمة السلام . وقد لا حظت في الآونة الأخيرة أن جل أتباع العمل المتأسلم ، يخدمون ، بشكل واع ، أو غير واع المصالح والمطامح الصهيونية ، فلا تجد عدوا لإسرائيل إلا كان عدوا لهم ، ولا تجد رمزا من رموز الجهاد الحق ، والدفاع عن فلسطين إلا يغيظهم ، ولست أفهم السر في ذلك ، إلا حين أنظر إلى العلاقة الحميمية بين ” أمير المؤمنين ” آردوجان ، وأحبته الصهائنة ، أو حين أرى ” العلامة الجليل ” القرضاوي يطلب من الولايات المتحدة الأمريكية أن تقف وقفة لله في سوريا ، ويشكرها على دعمها ، ويضمن لها عدم المساس بأمن ” الإخوة الصهائنة ” . حينها أفهم أن الأمر ، أمر الجماعة ،يداربالتعاون مع تل أبيب ، وواشنطن ، ويتقنع بقناع الإسلام . وأكثر ما يجرح النفس ، ويحز في القلب ، أنه إذا ظل العالم الإسلامي على الحال التي هو عليها الآن ، ستتحول كل البلدان العربية إلى أندلس جديد ، وإذ ذاك سيرفض العالم استقبالنا كلاجئين ، لأننا أمة خذلت نفسها ، وذبح بعضها بعضا ، وخانت نفسها ، وصورتها ” داعش ” على أنها ” أمةُ آكلي لحوم البشر ” .

مولاي عمر .

1 ـ د. فتحي يكن ـ قطوف شائكة في حقل التجربة الإسلامية ـ مؤسسة الرسالة ناشرون 1468 ه ـ 2001 م ـ ط1 ـ ص 7.

2 ـ المرجع نفسه ـ ص13.

3 ـ المرجع نفسه ـ الصفحة نفسها

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى