كتابنا

اللاحُبْ../ صلاح الدين الجيلي

 في زمن التفجيرات و الثوراتْ و الثوراتِ المُضادة, من سيقرأ عن الحب, و من الذي يملكُ وقتا لذلك, أو حتى ذائقة لتتبع مكامن العشقِ و رصدِ تأوهات العاشقين المُولعين. حقيقة يبدوا ذلك عبثا طفوليا , بل حتى جنونا من نوع ما في هذا الزمن الرديء بأهله , المُنحطِ بأفعالهم , و لا ذنبَ للزمن , غير أنه حوى و يحوي تلك القلوب , لكن يبقى الحب نبضا ساريا بيننا , حتى و لو تجاهلناهُ بتأثير القصفِ , الجُوعِ , التشرد , الإنقسام , الفوضى , وهم الديمقراطية , الظلم , قسوة الأنظمة و هيهات أن نُحصي ما يؤثر علينا , لنحس بقلوبنا تنبض حُبا و جمالا . في زمن كهذا , أصبحتْ أفعالُ المُحبين قريبة جدا , بل تكادُ تتطابقُ مع أفعالِ الفصائل المتناحرة هنا و هناك , فكما تنتشرُ التفخيخاتُ و التفجيراتُ و القصفُ و الإغتيالُ , في المُدن و الأرياف , نجدُ أن نفس الأفعال و لو معنويا , تحدثُ بين المُحبينْ و إليك الأمثلة : – حسناء تُؤكدُ تعلقها بشاب ما , يلتقيان , مرات و مرات , يتفاهمان حول كل شيئ , ثم و مع الأيامْ و حينَ تُفخخُ قلبه ولَها بها و تعلقا , تبتعدُ بدون أي مُقدماتْ , ثم تستترُ خلف حاجز ساتر ما (عريسْ جديدْ) , ثُم تضغطُ على زر التفجير , انتهى كل شيئ . أليس ذلك من أفعال و إلهامِ ثوراتِنا الجميلة المُلهمة..؟؟ لا بأس, إذا لم يُقنعك ذلك المثالْ, إليكَ واحدا آخر.. يُرسلُ الخُطابَ إليها , تُوافقُ على مضض , فلم يكن في مُخيلتها يوما , أنْ تكونَ لهُ عروسا , لكن لا بأس في ظل الكساد المستشري في سوقِ الزواجْ , و في يوم لا شمسَ لهُ , على الأقل في عينيها , تستقبلُ الخبرَ المشؤوم من إحدى صديقاتها عبر الهاتفْ , عبد الله عَرسُو الليلة , أعلَ فاطمة , فاطمة منهي , فاطمة صاحبتكْ , فاطمة فاطمة , أهيهْ فاطمة . أليستْ هذه طعنةُ غدر و رصاصة اغتيال فاتكة.. يبدوا أن هناك تقاربا بين المثالين, ربما لأني لا أُريدُ أنْ أُتهم بالانحياز, إذا تجردْ من التشابه بهذا المثالِ الأخير.. خطبها بن عمها اليتيمْ , وافقتْ على الفور , لطالما أُغرمتْ به , لم يكن بالغني , كما أنه لم يكن ذا عوز , كانتْ تُعجبها عصاميتهُ و نزعتهُ للاستقلال بنفسه عن مساعدة أي من أهله , ضغطتْ على أهلها لتقبله بالرغم من القرابة بينهما , وافق الوالدانْ , لكن خطة سرية كانتْ تُحاكُ خيُوطها بينهما , في ليلة العقد و حينَ حضر الشهود , تغير كل شيء , تم عقدها على الملثمِ الجالسِ في ركن خفي , كانَ كل أمرهِ خفيا , لم يُعلنْ من أمرهِ سوى أنه من رجالِ الأعمال الأغنياء جدا , استشاط أهلهُ غضبا و انسحبوا , بينما كان والديها يعدان رزم النقود , تاركينَ مهمة إقناعِ الفتاة بهذا التحول المفاجئ لخالاتها و نفر من صديقاتها , يرونَ في العريسِ الجديد , بنكا , ربما تكُونُ إحداهن في قادم الأيام فرعا جديدا له . تلك خطة سرية مُحكمة..يتجلى خُبثها في تحول الوالدين من سند مؤتمنْ, إلى وكر للخيانة و الغدر.. الحب, أصبح سلعة تُباعُ و تُشترى, نبضُ القلوب عشقا و هياما, أصبح محل سخرية و ضعف و ازدراء, أنْ تُحب, يعني أنك ضعيف الشخصية, مسلوبُ القلبِ, تائه الوجدانْ, لا يُرجى منك و لا يرتجى فيكْ. صديق لي هجرهُ أبوه, فقط لأنه علم بأنه أمضى سنوات في عشق التي رامَ الزواج بها , حلف و أقسم أن لا يتزوجها و إذا فعل , فلا هو أبوه و لا يعرفه . الطريقة التي ينظر بها هذا المجتمع الخامل للحب , ساذجة و مُعقدة , بل حتى المُصطلحات المستخدمة في وصفه و توصيفه , غير مُغرية بالتعمق فيه , غير جاذبة لأنْ تُصرح به إن حصل , حتى لا تُوصم بلقب أو صفة تُوسمُ بها فترة طويلة , هنا عندنا , يفقدُ الشجاعُ شجاعتهُ متى أحب , و كانَ الأجدرُ به , أن يزيده الحُب شجاعة و قوة و اندفاعا , لكن العكس هو الحاصل . لا أفهمُ أبدا, في مُجتمع, يكادُ يُصرحُ بفعل الدعارة و المُجونْ, أن لا يحتفي بالحب المشروع, أنْ يبخس لقاء عاشقين و لو أمام أنظار الجميع, في حينِ و خلف الستائر المُظلمة , يُمارسُ العُهر بكل أشكاله , سطوا على القيم و على كل منطق سليم . أنْ تُحبْ , أنتَ جدير بالحياة , مليء بالحياة , مليء بكل مُقومات النجاح , فقط قدمْ الحب لنفسك , و املأها به , عندها , ستُحب الآخر , ستحبُ الآخرين بكل شغف و إرادة , لا يهمكَ هذا المجتمع البليد و لا نظرته العمياء , تميز بنفسك و اشعر بالحياة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى