رأي

شيفرة سيف الإسلام القذّافي/ علي شندب

وأخيراً ظهر سيف الإسلام القذّافي. وأطلّ من موقعه في الزنتان التي اكتسبت اسمها من القبائل العربية العريقة التي سكنتها، تلك المدينة الإستراتيجية الرابضة على قمة الجبل الغربي المتداخلة مع جنوبي ليبيا وعاصمتها طرابلس، والمطلّة على جنوب تونس، والقريبة من الحدود مع الجزائر. وقد كان لبعض مجاميع الزنتان دور معلوم في الهجوم الناتوي على طرابلس وإسقاطها عام 2011. ويبدو أن القدريّات الخاصة لعبت دورها في حياة الزنتان وأسيرها سيف الإسلام الذي استأمنها ورفض مغادرتها بعدما أفرجت عنه “كتيبة أبو بكر الصديق” التي حلّت نفسها وتحوّلت من سجّان الى حارس لسيف الإسلام.
ومن الزنتان حرّكت إطلالة النجل الثاني للقذّافي كثبان الرمال السياسية والشعبية، المتحرّكة منها والراكدة. وسيستمر حديثه مع الـ “نيويورك تايمز” مثيراً للكثير من الجدل لا الغموض. كيف لا، وإثارة الجدل المعجونة بكثير من الغرابة المدهشة البعيدة عن النمطيات السائدة سياسياً وإجتماعياً وإقتصادياً مدرسة قذّافية بإمتياز. وقد كتب القذّافي العقيد الكثير من فصولها التي لم يتمكن من تناوبوا على كراسي ليبيا المهتزّة من بعده، سوى تسجيل فشلهم تقليده في القيافة والخطب العسكرية، أو في قيادة جرّافة لفتح طريق، بدلا من توقيف قاطعي الطريق.
وبقراءة باردة، ليس مهمّاً ما قاله سيف الإسلام للمراسل الأميركي روبرت ورث الذي زاملنا في تغطية وقائع غزو العراق وإحتلاله، سواء كان الكلام مهمّاً أو غير مهم. لأنّ المهم في مقابلة سيف الإسلام هو الكلام الذي لم يقله. لم يقله، لأنّه ببساطة لم يحُن أوانه. فسيف الإسلام يدرك جيداً أن أبناء جلدته ينتظرون القسم الثاني والأخير لذاك الخطاب الذي ألقاه في 22/2/2011. الليبيون ينتظرون أن يسمعوا بالأذن والعين المجرّدة وباللهجة الليبية العارية عن كل ترجمة وتأويل إستكمال سيف الإسلام لذلك الخطاب في سياق جردة حساب، بعدما ظنّ بعضهم أنّ تصفية الحساب انتهت يوم أجهزت ميليشيات الناتو على والده ورفاقه في مدينة سرت.
لن نخوض غمار التحليل في حديث سيف الإسلام لـ “النيويورك تايمز”، وقد حوّله الكاتب الى تقرير بانورامي حول ليبيا، جحّظ بين سطوره تسويقاً إختراقياً لافتاً لوزير داخلية الوفاق السابق والقيادي الإخواني فتحي باشاغا. كما أشبعت القنوات الفضائية وبعض المحلّلين من أيتام وصبية برنار ليفي وجو ماكين المحقونين بإبرة الثورة، حديث سيف الإسلام، تقليباً ذات اليمين وذات الشمال، سيّما وأن الظهور الإعلامي الأول لنجل القذّافي قد أثار مواجعهم، وعمّق من جروح إحباطاتهم الناجمة عن فشلهم في أن يقدموا نموذجهم الناجح في الحكم الرشيد والتنمية وفق نموذج دبي التي خدّروا بها الليبيين. كما اتخذوا منهما حجّة لمنافسة ثوار الناتو ومجاهدي الأطلسي في تقديم الإحداثيات العسكرية خلال الزحف الثوروي تحت الأباتشي الاميركية والرافال الفرنسية والتورنادو البريطانية فضلاً عن البوارج التركية وهي تدكّ المدن والبلدات والقرى من شرقي ليبيا الى غربها.
وقد التقت أحقاد الثوار الجدُد مع المصالح والأجندات الغربية المهتمة بتبريد الرؤوس القذّافية الحامية خدمة لمسارات أنابيب النفط والغاز فضلاً عن الثروات المنجمية الضائعة كما اعتبرها اردوغان خلال تغوّله غربي ليبيا قبل أن يوقفه خط مصر الأحمر في سرت والجفرة، ليكتشف ثّوار ليبيا الجدد أنهم لم يكونوا إلّا بمثابة رداء يستخدم مرّة واحدة ثم يرمى. وقد بيّنت تضاريس الأحداث الدّامية في ليبيا كيف أهملت جحافل التدخل الأطلسي شعار “حماية المدنيين” ورمته في جبّانة ليبيا المفتوحة منذ اليوم الثاني لسقوط طرابلس التي شبّهها داوود أوغلو بفتح مكة.
“ما هكذا تورد الإبل يا سيف” عبارة لطالما رُشق بها القذّافي الإبن. وللمفارقة فأداء سيف الإسلام حاز على نقد وغضب شرائح وازنة من أنصار النظام السابق نتيجة مهادنته الإخوان والجماعة المقاتلة بعد تخريجة المراجعات التي فرضها الإيهام المتناسل من التقية للشيخ علي الصلّابي، بذات القدر الذي صُدم به الثوار وخصوصاً الإسلاميين الذين سبق وأخرجهم سيف الإسلام من السجن خلافاً لمشيئة الدولة الليبية، الى درجة إعتقد فيها الإسلاميون من صلّابي ليبيا وصاليبها أن سيف الإسلام بات رجلهم في نظام أبيه. والحقيقة أن سيف الإسلام كان ابن معمّر القذّافي، وليس ابن نظامه. والحقيقة أيضاً أن سيف الإسلام لم يستسغ اسطوانة التوريث، وحاول أن يبني في ظلال خيمة أبيه مداميك نظامه الرديف حتى لا نقول البديل، وقد بالغ حدّ الصدام في تهشيم حركة اللجان الثورية أداة النظام الجماهيري وعدة شغله، وأطلق حملة شعواء ضدّ من وصفهم بالقطط السمان. لكن هل كان ممكناً لسيف الإسلام الولوج الى سدّة الحكم لولا أنّه ابن معمّر القذّافي؟.
خلال عملي الإعلامي في ليبيا، حصل أن أطلق سيف الإسلام خلال مهرجان للشباب نظمه في مدينة سرت عام 2006، رؤيته للشباب والتنمية التي تضمنت ما عرف بسلسلة المليونيات.. مليون شركة، مليون كمبيوتر، مليون منزل الخ.. وقبل أن ينهي خطابه وخطته بطريقة استعراضية مبهرة، أخبرني صالح عبد السلام المدير التنفيذي لمؤسّسة القذافي العالمية، والمفاوض الشهير في ملفات لوكربي، وأطفال بنغازي المصابين بالإيدز، وجماعة أبو سيّاف وغيرها، أخبرني أن سيف الإسلام بصدد عقد مؤتمر صحفي بعد انتهاء خطابه مباشرة، لكنّه لا يعرف مضمونه. وعلى قاعدة “ناقل الكفر ليس بكافر” طالبت عبد السلام إبلاغ رئيسه أن مؤتمره الصحفي ربما يطغى على مهرجان الشباب، ما سيدفع الصحفيون الأجانب الى إهمال تغطية المهرجان. ثم حضر سيف الإسلام الى خيمة المؤتمر الصحفي وأبلغ الصحفيين عن تعرضه لضغوط كبيرة لإلغاء المؤتمر الصحفي ولم يرضخ لها. لكنه سيؤجّل المؤتمر أسبوعاً حتى لا يتأثر مهرجان الشباب جرّاء “دوي القنابل الكبيرة” التي كان ينوي تفجيرها خلال مؤتمره الذي لم يُعقد بعدها. إن هذه الواقعة ذات التفاصيل المتشعبة تدلّل على عجلة سيف الإسلام التي تصل حد التسرّع في حرق المراحل، قبل أن يلتهم ليبيا الحريق الكبير.
وبعيداً عن الرسائل السياسية المحلية والإقليمية والدولية، التي وجهها سيف القذّافي عبر مقابلته والتي لن يتوقف تمحيصها وفحصها وتقليبها ليبياً إلّا بعد الظهور الثاني والمتلفز له، وهو يخاطب الليبيين ويشرح لهم رؤيته لإنقاذ ليبيا واستعادتها بعد عشريتها السوداء.
بدون شك، ساهم فشل حكم الميليشيات الذي ساد ليبيا منذ الإطاحة بنظام الجماهيرية، في مضاعفة النقمة على الحكّام المتناسلين من رحم الغزوة الناتوية، وأجّج فيهم الحنين الى زمن النظام السابق، تماماً كما أجّج مشاعر شرائح عراقية كبيرة لزمن حكم صدام حسين، نتيجة فشل الحكومات المتناسلة من إرادة الإحتلال الأميركي الإيراني، حيث تتغوّل الميليشيات على الدولة.
وفي مقاله بصحيفة الشرق الأوسط “هل يستعيد سيف القذّافي الحكم؟” قال عبد الرحمن الراشد أنه “في الحالة الراهنة يمكن لسيف القذّافي أن ينافس ويصل إلى كرسي الحكم، كان هذا الإحتمال مستحيلاً في السابق.. هل بمقدوره الإنتصار فيما عجزت كل القوى المحلية عن تحقيقه خلال العشر سنوات الماضية، بتوحيد البلاد وحكمها من العاصمة؟ بلوغ هذا المنال لا يكفيه حديث لـ “النيويورك تايمز”.
إذن الحنين وحديث النيويورك تايمز، لا يكفي. فما ينتظره الليبيون هو مشروع سيف الإسلام وبرنامجه ورؤيته التي ينبغي أن ترتكز على الحوار وردم التباينات بين كافة مكوّنات وتيارات النظام السابق ورموزه أولاً، ومع بقية مكوّنات ليبيا بهدف تضميد جراحها الغائرة ثانياً. وبهذا المعنى فسيف الإسلام بصفته ولّي الدم السياسي الرمزي، هو الأقدر بين المتنفذين الليبيين على طيّ صفحة الألم، وإبرام المصالحات العميقة التي تضع حداً لشلّالات الدّم، وتنهض بليبيا من تحت الركام.
وبالعودة الى المقابلة مع النيويورك تايمز، فما يجدر التوقف عنده بكثير من التأنّي هو صور سيف الإسلام في المجلّة الأميركية. ولعلّ المدقّق في أرشيف صور الرجل لن يجد صورة واحدة لسيف الإسلام وهو مرتدياً العمامة السوداء، ومتجلبباً بالعباءة العربية. ورغم أن الصور تعكس مسحة إيمانية تفرضها أجواء شهر رمضان المبارك. إلّا أن فك شيفرة الصور يقودنا الى النصّ الصامت الذي لا يفقهه المحاور الأميركي للقذّافي.
ولأنّ العمائم تيجان العرب، فقد بيّنت الصور أن نجل القذّافي اعتمر عمامة الأشراف السوداء التي تعود أصولها الى النبي محمد وآل البيت والصحابة، وليس “الشنّة” أو الطاقية الليبية التقليدية. كما إنه تجلبب العباءة العربية، وليس الجرد الليبي المتناسل من العهد الروماني، ولا الزبون الليبي المعروف بأصوله التركية. فقد أراد سيف الإسلام إعطاء اسمه أبعاده الحقيقية. كما أراد من خلال الصورة التأكيد بأنه عاد ليس الى أبيه معمّر القذّافي وحسب، وإنّما الى جدّه وجدّ القذّافيين الأكبر الإمام موسى الكاظم. هذه العودة لا تستبطن تشيّعاً، بل تستظهر أن معمّر القذافي لطالما اعتبر أن العرب مسلمون، وأن الشيعة والسُنّة عرب. وأن الكارثة كانت في اختطاف الأتراك لـ “السُنّة”، وفي إختطاف الفرس لـ “الشيعة”.
في ضوء فقه الصورة، بعدما تمّ فكّ شيفرتها الحقيقية، تتضاعف المسؤوليات والتحديات على كاهل سيف الإسلام الذي عليه أن يثبت بجدارة كبيرة أنّه تعلم من درس ليبيا، أكثر من القدر الذي تعلّمه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى