كتابنا

التقدميون والمحافظون في موريتانيا ( خصمان غارقان في ذات الوحل )

في كل زمان وتحت أي ظروف تنعم المجتمعات السياسية بنزوع تيار او فلسفة نحو التنوير وتشكل رافعة لقيم عصرية .
يقابله تيار محافظ يحتفظ لأي أمة بذاكرتها ويشكل بذلك مرشّدا لحركتها وناظما لوجدانها أثناء رحلة التقدم تلك .

فماذا فعلت بنا تياراتنا المحافظة والتقدمية ؟
ماذا فعلت الاولى بذاكرتنا القومية ؟
وماذا قدمت في سبيل الوحدة والترشيد وصياغة القيم ؟

وفي المقابل ما فعلت بنا تلك التقدمية التنويرية ؟
وهل قامت بجر القاطرة أو حتى نجحت في صياغة مفاهيم يمكن أن تشكل ملامح مشروع نهضة ؟
سأناقش ذلك من خلال تفكيك لخطاب وفكر ونشأة التيارين .

أولا :التيار المحافظ
من المفترص أن تكون لدي مادة لأتحدث عنها هنا ، تمثل فعلا تيارا محلي القيم ، نبت في هذه الأرض وامتص من نبعها وأينع خطابا كتب بالدواءة وقلم ” اصبط ” .

لكنّ ما كان مفترضا ، لم يكن .
فرغم أن للبلد مؤسسة عريقة ( المحظرة ) ، شكلت حاضنة لهويته ومنتجا لمنظومة قيمه الدينية , إلا أن هذه المؤسسة لم تصمد أمام طلائع الوافدين من المشرق العربي .
بل إنها ظهرت هشة لدرجة حولت ملكيتها وسلمت رسنها لهذا الوافد .
فعشعش في جنباتها التيار السلفي الحنبلي الذي امتلك ناصية الأمر بفعل قنوات العمل الخيري ورواج الفكر السلفي الذي ملأ فراغ الالتزام الديني الذي كان هشا ومهملا قبله .
ودخل التيار الإخواني وخطف خريجي هذه المؤسسةفي مرحلة الوعي السياسي ، فحشد المحظرة وحولها لمدارس تكوين سياسي .
وتأهيل مفاهيمي .
فشكل هذا التيار حاضنة سياسية ، وشغل حيزا كان فارغا قبله في ظل طيف سياسي فرانكفوني نافذ وأخرين يساري وقومي لم يمثلوا جميعا نصيرا للثقافة المحلية .

خلال هذا الخضم
غابت المحظرة وتفككت وطعمت نصوصها وتغيرت مناهجها وذابت – في الأعم – هويتها التقليدية قبل أن تنتج منتجا محليا خالصا أو تلتقط أنفسها لتواكب حقبة الدولة الحديث .

نخلص من هذا أن أهم مؤسسات المجتمع التقليدي الجامعة والعريقة تعرضت للاحتلال في ظل انفتاحها المفاجئ وانكشافها أمام إغراء المال الديني والسياسي .

وبكل ذلك تعرضت الهوية الدينية المجتمع الموريتاني لضربات قاصمة أهمها ” حنبلة ” المحظرة ، وضرب الاسس الصوفية بخطابين عقدي وآخر عقلاني فكري.
واشترك التياران – السلفي والإخواني – في هذه العمليةكل بطريقته ، وخصوصا إذا علمنا أن الأخير شب في موريتانيا بروح وعقلية سلفية .

لنعد للتقييم
أفاق المجتمع الموريتاني في لحظته السياسية وهو يفتقد لذاكرة موحدة .
مشتت القيم ، مشحون بالمفاهيم المتضاربة .
يموج بين ثنائيات قوية ( المالكي – الحنبلي ) ، ( السياسة الشرعية – لفرانكفونية ) ، ( البداوة – المدنية ) .
حالة شتات عارمة .
بهذا نصل الى لم نحظ بذاكرة محلية ولم نقدم منتجا سياسيا يمكن أن نسميه محافظا .
والتيارات الدينية الوافدة حديثا لم تفلح أيضا في خلق حالة وجدانية ذات إرث وانتاج فكري يعتمد عليه في تأسيس تيار محلي يمكن وصفه بالمحافظ .

ثانيا : التيار التقدمي
ولن أقدم في هذا الفضاء الضيق والعجول نق.ا ولا تحليلا لتاريخ هذا التيار ، وسأكتفي بخطابه المطروح اليوم سواء على للمستوى المؤسسي او الجماهيري .

طرح التقدميون خطابا متعاليا يعتمد مفهومين شكلا رئتي هذا التيار وروحه .
وهما ” الرجعية ” و ” الإستعمار “

واتخذ ايقونات لهذين المفهومين فمثلت الرجعية الدين والقيم الاجتماعية ( وإن غالب هذا التيار حياء أو حذر من اعلان الحرب على الدين علنا ) .
لكنه بنسخته الوطنية اليوم غارق في كل ماعاب ويعيب على الدين والمتدينين ( الرجعية والرجعيين ).

اتهم العلماء والفقهاء بالركون والعشعشة فيما يسميه “فقه النكاح” وسام ” الملتزمين ” بالارتزاق بالدين
الشهوانية
وتحجر الفهم ( النصوصية )
والتقاليد .
والإنغلاق والعدائية للآخر وعدم احترام المعتقدات والاديان .

فكان هو غارقا حتى النخاع في ذات التهم مع فرق طفيف وهو الاعتراف والتباهي بالغرق .
الارتزاق :
لوحظ ان الارتزاق بالمبدأ كان سلوكا شائعا في غالبية منظمات وأفراد هذا التيار ( وهذا ليس حكما شخصيا لكنه حكم على ما يشاع ، وهو بذلك يتهم وفق المعيار الذي يقدم اتهاماته عليه ).

الشهوانية :
ظهرت في خطاب هذا التيار دعوة صريحة تربط بين حرية المرأة وعريها ، وتقدم خطابا ساخرا من قيم الزواج والأعراف التي تعطي الوصاية في الزواج .
ودعى لحرية الملبس والعلاقات الجنسية واعتبر ” الملحفة ” مجرد غطاء رجعي .

كان هذا بمجمله فقه نكاح في شكل فكر وفلسفة .

كما أن دعوة الحرية الجنسية التي كانت تنبض داخل الخطاب الحذر ، لم تكن تختلف عن ما ينتقده هذا التيار على ” الرجعيين ” من شهوانية فيما يتعلق بالتسري والتعدد ، كان الإختلاف فقط في شرعية المنقود من حيث الدين والقانون .
بينما كانت الدعوى البديلة هي أن تكون المرأة مشاعا .
ملاحظة : لم كلا الدعوتين صريحة وإنما كانت مبطنة في خطاب عام سياسي واجتماعي وثقافي .

تحجر الفهم ( النصوصية ) والتقاليد :
كان التيار التقدمي غارقا أكثر من غريمه في هذه التهمة مع فرق سأبينه .

ظهر التيار التقدمي من حيث اللغة غارقا في قاموس لاتيني ( مسيحي الثقافة ، عدائي الخطاب )
فشكل رديفا بديلا القاموس المحلي ( الله – الرب ، السماء ) ، ( الفقراء – بلوريتاريا ) وتم توطين اسماء الحبيبات اللاتينيات .
و استوطنت الذايقة المكانية مدن الجنس والفقر في امريكا اللاتينية .
ومجد الأدب اللاتيني وتمت أسطرة التشرد باعتباره حالة صوفية.

إضافة لهذا الغرق الشكلي المتماهي مع تراث اليسار النضالي ابان الصراع الكبير ، لم تكن هناك رؤية ولا مشروع محلي النشأة ، موريتاني الجذور .

فزاحمت صور تشي جيفارا وفيديل كاسترو وعبد الناصر وصدام ، صور العريفي ومحمد حسان والقرني ، وصور البنا ومرسي واردوغان والمرشد …
كل ذلك على صفحات شباب موريتانيين يسفه بعضهم بعضا .
بينما تشترك الأطياف كلها في ذات الشكلية والتكلس خلف التقليد والنصوصية ، كل بطريقته ، وإن تباينت مواقفنا منهم لبواعث وأسباب قد تكون شخصية لكل منا .

الإنغلاق والعدائية للآخر وعدم احترام المعتقدات والاديان :
انتقد التيار التقدمي على غريمه الرجعي – حسب وصفه – تلك الصفات والخصائص بينما غرق فيها بطريقته .
فالعدائية جاية في خطابه المتعالي والمسفه التراث والمعتقدات .
ودعوته لاحترام المعتقدات والأديان لم تتخذ معيارا حين يتعلق الامر بالموقف من الدين الإسلامي الذي عبثت به أقلامهم وخطاباتهم بل تجاوزوا ذلك للحط من شأن معتنقيه والدوس على مقدساته ورموزه .

الخلاصة :
أننا أمام مهمة كبيرة وصعبة لا تتلخص في صناعة وتوطين مشروع نهضة فحسب ، بل في تأطير وعيين وطنيين والتأسيس لهما ( وعي تقدمي وآخر محافظ ).
يلتزم كل منهما بانتاج مايحتاجه الوطن لنتمكن من انتاج وعي يخطط له بعقول تستبصر المستقبل ووجدان يعتنق الموروث .

وعيان لا يتصارعان كتماثيل جامدة و لا يحولان الوطن لساحة معركة يقودها ميت في كوبا وآخر في مصر وثالث في الجزيرة العربية ورابع في مكان ما .

هنا … موريتانيا

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى