المستعرضرأي

الإجهاز على فتوى الصلاة خلف التلفاز/ محمد الأمين آقه

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة ، والسلام على النبي الكريم ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

منذ ما يقرب من خمسة أو ستة عقود بدأت الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي تبث على الهواء مباشرة في المذياع أولا ثم بعد ذلك في التلفزيون .
كانت وسائل المواصلات في تلك الفترة أكثر ندرة والتنقل أكثر مشقة ..و قلوب الناس اكثر اشتياقا الى الصلاة في الحرمين ..
ومع ذلك لم يتساءل الناس عن إمكانية الصلاة مع الحرمين عبر المذياع الذي كان ينقل الصلاة منهما على الهواء مباشرة.. ربما لأنهم يعتبرون ذلك اقرب الى اللعب منه الى التعبد ..!
بالفعل.. حدثت بعض الأسئلة عن هذا الأمر.. لكنها كانت من باب الاستطراد العلمي ..والأمنيات الحالمة ، وربما أيضا من باب الدعابة .. لا من باب التساؤل الجاد!
وكانت أجوبة العلماء عليها بالنفي القاطع الذي لا تردد فيه ..!
ومن أمثلة هذه الأسئلة النادرة ما ورد إلى اللجنة الدائمة في الفتوى رقم ( 18612 ) من سائل من الهند يقول :
” هل تجوز الصلاة مع الحرم المكي المنقولة عبر الإذاعة ( الراديو ) على الهواء مباشرة ، كأن أتابع صلاة التراويح مثلا أو الجمعة ، وذلك في بلد بعيد عن المملكة وأأتم بالإمام كأني أصلي خلفه ، وهذا في الحالتين التواجد في بلدة غير مسلمين ، وليس فيها جمعة ولا جماعة ، أو التواجد في بلدة مسلمين ؟”.
فأجابت اللجنة : “لا يصح إاتمامكم وأنتم في الهند بإمام الحرم عبر الإذاعة ولو كانت الصلاة على الهواء مباشرة ، لا في الفرض ولا في التراويح ؛ لأنه إمام من يصلي بصلاته في المسجد أو خارج المسجد إذا تتابعت الصفوف ، وأنتم لستم كذلك .وبالله التوفيق “.
حدث كل هذا عندما كان الناس على فطرة فقهية سليمة ..
واليوم ..وبعد أن استهدفت الكثير من المسلمات الشرعية –سواء كانت فقهية او عقدية-وأصبحت موضوعة للنقاشات وتجاذب الآراء كما هو الحال بالنسبة لحد الردة ،والرجم ،وولاية المرأة، والكثير من القضايا الأخرى التي لم تكن محل نقاش ..لم يعد غريبا أن نرى ثورة شذوذ فقهي ..تحاول الخروج على كل ما هو معروف ، ومسلم به في المجال الفقهي !
في هذا الجو الملطخ بالآراء الفقهية الشاذة ، تخرج علينا فتوى شاذة جديدة ..تلتمس فرجة في الصف بين أخواتها ..!!
تدعي هذه الفتوى أنه يشرع للمأموم أن يقتدي بالإمام ويتابعه في الصلاة عن الطريق القنوات الفضائية او عن طريق الاذاعة !
وقد رأيت بعض المدافعين عن هذه الفتوى يتحدث و كأنه قادم للتو من مختبر فقهي و يدعي بأنها تنطلق من نظرة فقهية عميقة !!!
قد يستهويك ان تقف على درجة هذا العمق.. ومدى انسجامه مع ما هو مقرر في الفقه !
لكنك بعد البحث لن تجد في سجلات المذاهب الاربعة ما يشفع لهذه الفتوى ..!
وقد أردت أن أبين للقارئ المهتم بالموضوع أن فساد هذه الفتوى يتضح من سبعة أوجه ..!
وقبل الشروع في بيان هذه الاوجه يحسن بنا القاء نظرة على رأي المذاهب الأربعة في حكم “الفاصل بين الإمام والمأموم” ،وهل كل فاصل يمنع المتابعة ؟
وما هي أهم الفواصل التي تحدث عنها الفقهاء ؟
******
اهتم العلماء بتصنيف الفواصل بين الإمام والمأموم ،وتحديد الصغير منها والكبير، وما يمنع الاقتداء وما لا يمنعه ، وهذا الاهتمام منهم بأنواع الفواصل دليل على أن الأمر ليس متروكا على إطلاقه ، وأنه لا يتأتى أن يصح الاقتداء في حالة الانفصال التام بين الامام والمأموم وعدم اجتماعهما في مكان واحد أو مكانين متقاربين.
ومن أشهر هذه الفواصل التي ذكر الفقهاء :
1-الطريق والنهر :
اعتبره الحنفية فاصلا يمنع صحة الاقتداء إذا كان الطريق واسعا والنهر عظيما ولم تتصل الصفوف .
قال ابن نجيم الحنفي : (إذا كان بين المصلي والإمام طريق يمر فيه الناس أو نهر عظيم لم تجز صلاته إلا أن تكون الصفوف متصلة على الطريق فيجوز حينئذ) البحر الرائق (3/ 451)
ويرى الشافعية أن النهر أو الطريق إذا حال بين بعض أجزاء المسجد ينظر الى الاسبقية ، فإن كان المسجد سابقا للطريق والنهر فلا يعتبران مانعين من الاقتداء ، قال البجيرمي :(لو حال بين جانبي المسجد نهر أو طريق قديم بأن سبق وجوده أو قارناه فيما يظهر فلا يكون كالمسجد الواحد بل كمسجد وغيره ، وهذا بخلاف ما لو كان النهر طارئا بعد المسجدية فلا عبرة به ولا يخرجهما عن كونهما واقفين بمسجد واحد) تحفة الحبيب على شرح الخطيب ـ (5/ 153)
وقال ابن قدامة الحنبلي : “وإذا كان بينهما (أي الإمام والمأموم) طريق أو نهر تجري فيه السفن ففيه وجهان أحدهما لا يصح أن يأتم به وهو اختيار أصحابنا ومذهب أبي حنيفة لأن الطريق ليست محلا للصلاة فأشبه ما يمنع الاتصال” المغني (2/ 39)
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية :(اذا امتلأ المسجد بالصفوف صفوا خارج المسجد فاذا اتصلت الصفوف حينئذ فى الطرقات والأسواق صحت صلاتهم ، وأما اذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشى الناس فيه لم تصح صلاتهم فى أظهر قولى العلماء .. وكذلك من صلى فى حانوته والطريق خال لم تصح صلاته ) مجموع الفتاوى (23/ 410).
وقال الخرشي المالكي : (المأموم يجوز له الاقتداء بالإمام ولو كان بينهما فاصل من نهر صغير أو طريق والمراد بالصغير ما يأمنون معه عدم سماع قوله أو قول مأمومه أو رؤية فعل أحدهما) شرح خليل للخرشي (4/ 461).
فالنهر الكبير يعتبر فاصلا يمنع الاقتداء عند المذاهب الاربعة.
ومعنى هذا أن أي مسافة بين الإمام والمأموم تزيد على عرض النهر الكبير فهي مانعة من الاقتداء باتفاق المذاهب الأربعة..
2-الصلاة في السفينة :
فعند الحنفية والحنابلة تصح صلاة جماعة في سفينة واحدة أو سفينتين مقرونتين، ولا تصح إذا كانوا في سفينتين منفصلتين.
قال علاء الدين السمرقندي الحنفي : (فإذا صلى في السفينة بجماعة جازت صلاتهم ،ولو اقتدى به رجل في سفينة أخرى فإن كانت السفينتان مقرونتين جاز، وإن كانتا منفصلتين لا يجوز) تحفة الفقهاء (1/ 157).
وقال الزركشي الحنبلي : (إن اقترنت سفينة الإِمام والمأموم صح الاقتداء ، وإلا فلا يصح ، لأن الماء طريق ،) شرح الزركشي (1/ 242)
وعند الحنفية : من كان على الشط تجوز صلاته خلف امام في سفينة قريبة من الشط ، ولا تجوز الصلاة إذا كانت السفينة بعيدة من الشط ، قال ابن عابدين الحنفي : (وإن كان الإمام في سفينة واقفة والمقتدون على الشط فإن كان بينهما طريق أو قدر نهر عظيم لم يصح) حاشية رد المختار على الدر المختار (2/ 102).
والشافعية لا يشترطون اقتران السفينتين وإنما يشترطون أن لا تزيد المسافة بينهما على قدر ثلاثمائة ذراع ، قال زكريا الأنصاري : (ولو كانا في سفينتين مكشوفتين في البحر فكالفضاء فيصح اقتداء أحدهما بالآخر بشرط أن لا يزيد ما بينهما على ثلاثمائة ذراع وإن لم تشد إحداهما بالأخرى) أسنى المطالب في شرح روض الطالب (1/ 225)
وعند المالكية يجوز لأهل السفينة ان يقتدوا بإمام في سفينة أخرى إذا كانت قريبة ، قال في المدونة الكبرى : (قال مالك في القوم يكونون في السفن يصلي بعضهم بصلاة بعض وإمامهم في إحدى السفائن وهم يصلون بصلاته وهم في غير سفينته، قال: فإن كانت السفن بعضها قريبة من بعض فلا بأس بذلك.) المدونة الكبرى (1/ 175).
فالخلاصة أنه إذا كان كل من الإمام والمأموم في سفينة ، فلا بد أن تكون السفينتان مقترنتان ، كما هو مذهب الحنفية والحنابلة ، أو تكونان متقاربتان كما هو مذهب الشافعية والمالكية.
والقرب عند الشافعية محدد بثلاثمائة ذراع ، والمالكية لم يذكروا للبعد ضابطا محددا وغالبا ما يشترطون التمكن من متابعة الامام أو التمكن من الرؤية أو السماع ، وهذا شرط مستقل بنفسه ولو كانت المسافة قريبة.
3-الجدار الفاصل بين الإمام و المأموم:
اتفق الفقهاء على أن الجدار لا يمنع الاقتداء إذا كان المأموم يتمكن من متابعة الإمام برؤية أو سماع .
قال ابن نجيم الحنفي : (قال في البرهان: لو كان بينهما حائط كبير لا يمكن الوصول منه إلى الإمام ولكن لا يشتبه حاله عليه بسماع أو رؤية لانتقالاته : لا يمنع صحة الاقتداء في الصحيح .) البحر الرائق (3/ 456)
واشترط الحنابلة لصحة لاقتداء بالإمام خلف الجدار إمكان المتابعة والرؤية ولا يكفي عندهم مجرد سماع التكبير، قال اللبدي الحنبلي : (إذا كان بين الإمام والمأموم جدار، وهما أو أحدهما خارج المسجد، فالصلاة صحيحة إذا أمكنت المتابعة وحصلت الرؤية، ولو من طاق شباك أو كوّة.) حاشية اللبدي على نيل المآرب (1/ 86)
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية :(اذا كان بينهم وبين الصفوف حائط بحيث لا يرون الصفوف ولكن يسمعون التكبير من غير حاجة فانه لا تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء ) مجموع الفتاوى (23/ 410).
وقال المواق المالكي : (من المدونة قال مالك : لا بأس بالصلاة في دور محجورة بصلاة الإمام في غير الجمعة إذا رأوا عمل الإمام والناس من كوى لها ، أو مقاصير ، أو سمعوا تكبيره فيكبروا ويركعوا بركوعه ويسجدوا بسجوده فذلك جائز ،) التاج والإكليل (2/ 147)
و الجدار الحائل بين الإمام والمأموم لا يمنع الاقتداء أيضا عند الشافعية ، لكن إذا كان لا ينفذ منه صوت ولا صورة، فالصحيح عندهم انه يمنع الاقتداء ، قال النووي : (فلو لم يكن في الجدار باب أو كان ولم يكن مفتوحا أو كان مفتوحا ولم يقف في قبالته بل عدل عنه فوجهان (الصحيح) انه لا يصح الاقتداء لعدم الاتصال وبهذا قال جمهور اصحابنا المتقدمين وقطع به أكثر المصنفين) المجموع شرح المهذب (4/ 307).
4-الصلاة على السطح :
صرحوا بأن الصلاة على سطح المسجد مشروعة ولا تتنافى مع الاجتماع المطلوب في صلاة الجماعة ،
أما الصلاة على سطح دار مجاورة للمسجد فتجوز إذا اتصلت الصفوف او كانت الدار قريبة يمكن معها الرؤية أو السماع ومنعها الحنفية مطلقا.
قال ابن قدامة الحنبلي : (يجوز أن يكون المأموم مساويا للإمام أو أعلى منه ، كالذي على سطح المسجد أو على دكة عالية ، أو رف فيه ، روي عن أبي هريرة أنه صلى بصلاة الإمام على سطح المسجد وفعله سالم .) المغني (3/ 448)
وقال الماوردي الشافعي : (فلو اتصلت الصفوف من سطح المسجد إلى سطح الدار الملاصقة كانت صلاتهم جائزة ، ولا وجه لقول من أبطلها : لأن اتصال الصفوف مع العلم بالصلاة يوجب صحة الائتمام ، كما لو اتصلت الصفوف في أرض المسجد إلى من في الدار .
قال الشافعي : ولو صلى رجل على جبل الصفا ، أو جبل المروة ، أو على أبي قبيس بصلاة الإمام في المسجد الحرام جاز : لأن كل ذلك متصل ، وهو في العرف غير منقطع .) الحاوي الكبير (2/ 791)
وقال ابن نجيم الحنفي : ( إذا كان على سطح المسجد والقوم في المسجد أو عكسه لم يختلف المكان ؛ لأن لسطح المسجد حكم المسجد فكان الكل كبقعة واحدة بخلاف سطح داره ) البحر الرائق (3/ 457)
ولما كان الحنفية يجعلون المعيار في صحة الصلاة فوق السطوح هو الاتحاد في المكان مع الامام فقد اعتبروا الصلاة على سطح دار مجاورة للمسجد مخالفة لشرط اتحاد المكان وأفتوا بعدم صحتها ، وفي ذلك يقول ابن عابدين : ( وإن قام على سطح داره وداره متصلة بالمسجد لا يصح اقتداؤه وإن كان لا يشتبه عليه حال الإمام لأن بين المسجد وبين سطح داره كثير التخلل فصار المكان مختلفا .) رد المحتار (4/ 321)
والامام مالك له قولان في مسالة الصلاة على السطوح ، قال ابن رشد :
( إلا أن يكون الموضع الذي صلى عليه ظهر المسجد والإمام مع جماعته داخل المسجد، فاختلف في ذلك قول مالك في المدونة أجازه مرة وكرهه أخرى، بخلاف الجمعة، إذ لم يختلف قوله في أن الجمعة لا يصليها أحد فوق ظهر المسجد،) البيان والتحصيل (1/ 484).
ولهذا وقع خلاف في مسالة الصلاة فوق السطوح عند المالكية ، واختار عليش أن يكون في المسألة تفصيل فقال :(وجاز علو مأموم على إمامه ولو بسطح في غير جمعة علوا يضبط معه أحوال إمامه بسهولة فإن كان فيه عسر كره ، وإن منع منه حرم ) منح الجليل شرح مختصر خليل ـ (2/ 340)
****
و مما سبق نستنتج:
1-اكبر فاصل يمثل به الفقهاء هو النهر، اذ لم يمثلوا بفاصل اكبر منه ، وقد اتفق المذاهب الأربعة على ان النهر الكبير فاصل يمنع الاقتداء .
وهذا يشوش على أصحاب “الصلاة خلف التلفاز” الذين لا يعتبرون كوكب الأرض فاصلا بين الإمام و المأموم !!
2-في حالة الفواصل الكبيرة مثل النهر، والطريق، والسفينة، فإن أصحاب المذاهب الأربعة يقيّدون صحة الاقتداء بشرطين هما قرب المسافة، والعلم بصلاة الامام اما برؤية او سماع.
واما في حالة الفواصل القريبة، مثل الجدار ،والسطح، فإنهم لا يقيدون صحة الاقتداء الا بشرط واحد هو العلم بصلاة الإمام (برؤية أو سماع)..لأن قرب المسافة حاصل تلقائيا في حالة الفواصل القريبة .
وفي هذا دليل على أنهم يعتبرون من شروط صحة الاقتداء شرطين أساسيين هما : – قرب المسافة ، – والعلم بصلاة الإمام .
وأن هذين الشرطين لا ينوب أحدهما عن الآخر ، بل لا بد أن يتحققا جميعا .
فقد يكون المأموم متمكنا من العلم بصلاة الإمام دون اشتباه ،لكن الاقتداء غير صحيح لبعد المسافة ..كما قال ابن نجيم الحنفي : (وأما الفاصل من طريق أو نهر أو فضاء فإنه مانع ولو لم يشتبه فليتأمل) البحر الرائق(3/ 456)
وقال الماوردي الشافعي:(شروط صحة صلاة المأموم خلف الامام : فالاعتبار في صحة صلاته بثلاث شرائط :
أحدها : العلم بصلاة الإمام ، وطريق العلم بها إما بمشاهدة ، وبسماع تكبيره ، أو بمشاهدة من خلفه ، أو بسماع تكبيرهم.
والثاني: القرب وأبعده على وجه التقريب بثلاثمائة ذراع ، أو نحوها..
والثالث : أن لا يكون بينهما حائل ، فإن حال بينهما غير سور المسجد من جدار ، أو غيره بطلت صلاته ،) الحاوي الكبير للماوردي “باختصار وتصرف”(2/ 781).
من هنا يظهر لك خلل هذه الفتوى التي تقول بمشروعية الاقتداء بالإمام خلف التلفاز ، لأنها تلغي تمام الإلغاء شرط الاجتماع والتقارب بين الإمام والمأموم الذي اشترطه الفقهاء .
إن إلغاء شرط الاجتماع والتقارب بين الإمام والمأموم يؤدي إلى تغير جذري في هيئة الصلاة ، فالصورة الطبيعية لهذه الهيئة أن يكون المأموم حاضرا مع الإمام في مكان واحد ، أو يكون بينهما فاصل يسير كالجدار والرحبة والمنزل ونحو ذلك .
أما على مذهب هذه الفتوى فسيحدث نمط جديد من الصلاة يكون الإمام مثلا في الحرم المكي ، والمأموم الأول في سنغافورة ، والثاني فوق جبال الهملايا ، والثالث على ضفاف الأمازون ، والثالث بين قبائل الإسكيمو ..!
إنها صلاةٌ “جنية” بامتياز !..تذكرنا بحديث سليمان بن عمر الجمل الشافعي في حاشيته عن انعقاد الصلاة بالجن فقال :
(يشترط لصحتها منهم كونهم في أرضنا مثلا ؟ أو في الأرض الثانية ؟ أو لا يشترط فتنعقد بهم وإن كان مسكنهم في الأرض السابعة من تلك البلد ؟ فيه نظر!! ، نعم إن كان بينهم وبين الإمام مسافة تزيد على ثلاثمائة ذراع في غير المسجد لا تصح للبعد) حاشية الجمل (5/ 409).
خبرونا يأهل المختبرات الفقهية : هل تشترط مسافة القرب من الإمام بالنسبة لصلاة الجن ..ولا تشترط لصلاة الإنس ؟!!
أي صلاة هذه التي لا تعترف بكل الفواصل بين الإمام والمأموم الموجودة على ظهر الكرة الأرضية ؟!!
أم أن الأمر يتعلق بانقلاب فقهي كبير ..؟ !
كان الفقهاء إذا تحدثوا عن الفواصل التي تمنع الاقتداء يذكرون الجدار ..والطريق ..والنهر .
أما أصحاب هذه الفتوى فلا يبدو لهم أن كوكب الأرض بكل ما فيه يعتبر فاصلا يمنع الاقتداء !!!
وقد لا يقف الأمر عند هذا الحد، فنجد من يقول بجواز أن يكون الإمام في الأرض والمأموم في المريخ !
ولم لا ؟ فالمسافة لا عبرة بها ..والغزو الفضائي في تقدم!!
والفقه العميق ليس له حدود !!
*****
وقد ذكرت لك سابقا أن فساد هذه الفتوى يتضح من سبعة أوجه..وهذا بيانها:
الوجه الأول :
أن الذين أفتوا بمشروعية الصلاة خلف الإذاعة والتلفاز ، يرون مشروعية اقتداء المأموم بالإمام وإن حال بينهما فاصل من مسافة بعيدة ، وهم بذلك يخرجون على إجماع الصحابة الذي انحصر مذهبهم في قولين ، وهذا بيانهما :
1-روى عبد الرزاق في المصنف عن إبراهيم بن محمد عن عبد الحميد بن سهيل عن القاسم بن محمد عن عائشة أنها كانت تصلي بصلاة الإمام في بيتها وهو في المسجد.
2-روى البيهقي في السنن الكبرى عن الشافعي مذهبا لعائشة مخالفا لهذا قال: أخبرنا أبو سعيد بن أبى عمرو حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب أخبرنا الربيع قال : قال الشافعي : قد صلى نسوة مع عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم في حجرتها ، فقالت : “لا تصلين بصلاة الإمام فإنكن دونه في حجاب”.
3-روى ابن أبي شيبة في المصنف عن هشيم ، عن حميد ، قال : كان أنس يجمع مع الإمام ، وهو في دار نافع بن عبد الحارث ، بيت مشرف على المسجد ، له باب إلى المسجد ، فكان يجمع فيه ويأتم بالإمام.
4- روى ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن أبي ذئب ، وعبد الرزاق في المصنف عن ابراهيم بن محمد ، كلاهما عن صالح مولى التوأمة أنه رأى أبا هريرة يصلي على ظهر المسجد بصلاة الإمام وهو تحته.
5-روى عبد الرزاق في المصنف عن بن التيمي عن أبيه عن نعيم بن أبي هند عن عمر بن الخطاب أنه قال في الرجل يصلي بصلاة الإمام : “إذا كان بينهما نهر أو طريق أو جدار فلا يأتم به”.
6-روى ابان ابي شيبة في المصنف عن حفص بن غياث ، عن ليث ، عن نعيم ، قال : قال عمر : إذا كان بينه وبين الإمام طريق ، أو نهر ، أو حائط فليس معه.
7-روى أبو بكر عبدالعزيز بإسناده : عن علي أنه رأى قوما في الرحبة فقال من هؤلاء فقالوا ضعفاء الناس فقال : “لا صلاة إلا في المسجد ” النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر (1/ 123)
فهذه الروايات تدل على أن الصحابة اختلفوا في صحة صلاة المأموم إذا كان بينه وبين الإمام فاصل يسير لا يمنع سماع صوته مثل الطريق والبيت المجاور .
فذهب عمر بن الخطاب وعلي بن ابي طالب ورواية عن عائشة إلى منع ذلك ، واجازه أبو هريرة وأنس وعائشة في رواية.
ويجب الاقتصار على هذين القولين ، ولا يجوز إحداث قول ثالث في المسألة يقول بجواز الاقتداء بالإمام من خلف فاصل كبير أو مسافة بعيدة .
قال الخطيب البغدادي : (لو اختلفت الصحابة في مسألة على قولين , وانقرض العصر عليه , فإنه لا يجوز للتابعين إحداث قول ثالث , لأن اختلافهم على قولين إجماع على إبطال كل قول سواهما , كما أن إجماعهم على قول إجماع على إبطال كل قول سواه , فكما لم يجز إحداث قول ثان فيما أجمعوا فيه على قول لم يجز إحداث قول ثالث فيما أجمعوا فيه على قولين) الفقيه والمتفقه (1/ 246)
مثال ذلك ان الصحابة اختلفوا في مسألة الاخوة والجد فمن قائل الجد يحجب الاخوة ومن قائل هم سواء لانهم يدلون بذات واحدة هي الاب فقد اتفق الكل على ان الجد غير محجوب، فلا يجوز احداث قول ثالث يقول بحجبه.
ومنع احداث قول ثالث وان كان متأكدا في حق إجماعات الصحابة الا أنه ايضا ممنوع في سائر الإجماعت ، وإلى ذلك اشار الشيخ سيدي عبدو الله في المراقي بقوله :
وخرقه فامنع لقول زائد اذ لم يكن ذاك سوى معاند
وقيل ان خرق والتفصيل احداثه منعه الدليل
وقال في مرتقى الوصول :
فلا يُجِيز غير أهل الظاهر إحداث قول ثالث للآخر.
فمن قال بمشروعية صلاة الجماعة خلف التلفاز ، فليعلم بأنه غرد خارج السرب ، واحدث قولا ثالثا لا يعلمه الصحابة ولا يرضونه ، ولو رضوه لقالوا به .
الوجه الثاني:
حديث عائشةَ رضي الله عنها قالت : (كان رسول الله يصلي من الليل في حجرته وجدار الحجرة قصير.. فرأي الناس شخص النبي- عليه السلام-، فقام ناس يصلون بصلاته،) رواه البخاري.
هذا الحديث يستدل به من يرى مشروعية اقتداء المأموم بالإمام وان حال بينهما فاصل كبير أو مسافة شاسعة ، وهذا الحديث حجة عليه لا له !
وبين ذلك فيما يلي :
1-ان الصحابة الذين صلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم كانوا معه في مكان واحد لا يمنعهم الجدار القصير من سماع صوته ورؤية شخصه ، وهذه الصورة لا خلاف بين أهل العلم في صحة الاقتداء فيها .
ولهذا قال ابن رجب : (ليس في هذه الرواية : دليل على جواز الائتمام مِن وراء جدار يحول بين المأموم وبين رؤية إمامه ؛ فإنَّ في هَذا التصريح بأن جدار الحجرة كان قصيرا ، وأنهم كانوا يرون منه شخص النبي ، ومثل هذا الجدار لا يمنع الاقتداء .) فتح الباري ـ لابن رجب (4/ 280).
2-أورد البخاري بعد حديث عائشة هذا حديثها الآخر : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له حصير يبسطه بالنهار ويحتجره بالليل فثاب إليه ناس فصلوا وراءه.)
و حديث زيد بن ثابت (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة- قال حسبت أنه قال – من حصير في رمضان فصلى فيها ليالي فصلى بصلاته ناس من أصحابه).
وقد بين ابن حجر غرض البخاري من ذلك بقوله: (وغرضه بيان أن الحجرة المذكورة في الرواية التي قبل هذه كانت حصيرا) فتح الباري – ابن حجر (2/ 215).
وحين يكون الحاجز المذكور إنما هو حصير ، فإن ذلك يزيد من ضعف الاستدلال بهذا الحديث على مشروعية الصلاة خلف التلفاز.
3-حديث عائشة أخرجه عبد الرزاق في المصنف عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة بلفظ :
( صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلة في شهر رمضان في المسجد ومعه ناس ثم صلى الثانية فاجتمع تلك الليلة أكثر من الأولى فلما كانت الثالثة أو الرابعة امتلأ المسجد حتى غص بأهله فلم يخرج إليهم فجعل الناس ينادونه الصلاة فلما أصبح قال عمر بن الخطاب ما زال الناس ينتظرونك البارحة يا رسول الله قال أما أنه لم يخف علي امرهم ولكني خشيت أن يكتب عليهم).
وهذا اللفظ فيه فائدتان :
الأولى : أن عائشة رضي الله عنها صرحت بأن الصحابة الذين صلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم كانوا معه في مكان واحد في المسجد فقالت : (صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلة في شهر رمضان في المسجد ومعه ناس)، وإذا ثبتت المعية فقد ضاق الخناق على أصحاب التلفاز !!
الفائدة الثانية : في هذا اللفظ دليل على أن عمر رضي الله عنه كان حاضرا مع الناس الذين صلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ،ومعلوم أن عمر رضي الله عنه لا يجيز لاقتداء بالإمام اذا حال بينه وبين المأموم طريق أو جدار ، لما روى عبد الرزاق عن بن التيمي عن أبيه عن نعيم بن أبي هند عن عمر بن الخطاب أنه قال في الرجل يصلي بصلاة الإمام : “إذا كان بينهما نهر أو طريق أو جدار فلا يأتم به”.
وإذا كان عمر رضي الله عنه من الجماعة الذين صلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم تلك الصلاة وهو مع ذلك لا يرى مشروعية الاقتداء بالإمام من وراء حائل كالطريق والنهر والجدار ، فهذا دليل على ان الحاجز الذي كان يفصل بين النبي صلى الله عليه وسلم ومن صلى وراءه من الناس حاجز رقيق ارق من الجدار وهو ما ينسجم مع رواية الحصير .
ولهذا قال ابن رجب في تفسير الحجرة : (ليسَ المراد حجرة عائشة التي كانَ يسكن فيها هوَ وأهلهُ ؛ فإنَّ حجر أزواج النبي ( كانت لها جدرات تحجب مِن كانَ خارجاً منها أن يرى مِن في داخلها .) فتح الباري ـ لابن رجب (4/ 280).
أخيرا : لم اقف على حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يمكن أن يستدل به من يرى مشروعية الاقتداء بالإمام من وراء فاصل قريب إلا حديث عائشة هذا ،وشاهده من حديث زيد بن ثابت .
وأما ما رواه ابن أبى شيبة عن مغيرة بن زياد الموصلي عن عطاء قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأصابه مطر فصلى بالناس وهم في رحالهم وبلال يسمع الناس التكبير “.
فهذا مرسل كما ترى ، وفيه ابن زياد وهو ضعيف.
الوجه الثالث:
من شرط الاقتداء في صلاة الجماعة ان يوجد اجتماع بين الامام والمأموم.. ومتى عدم الاجتماع عدم معنى صلاة الجماعة من ناحية التسمية فلم تعد صلاة جماعة ، وانعدمت الحكم التي شرعت من اجلها صلاة الجماعة لان هذه الحكم لا تتحقق الا بوجود الاجتماع من المصلين ..
قال شمس الدين الرملي : (ومن شروط القدوة أيضا : أن يجمعهما موقف ، إذ من مقاصد الاقتداء اجتماع جمع في مكان كما عهد عليه الجماعات في الأعصر الخالية ، ومبنى العبادات على رعاية الاتباع ،) نهاية المحتاج (6/ 137).
وتأمل هذا التعريف الجامع لصلاة الجماعة الذي ذكره العلامة الطهطاوي الحنفي في حاشيته على مراقي الفلاح حيث قال : (والجماعة في اللغة الفرقة المجتمعة وشرعا الإمام مع واحد سواء كان رجلا أو امرأة حرا أو عبدا أو صبيا يعقل أو ملكا أو جنيا في مسجد أو غيره) حاشية على مراقي الفلاح (ص: 191) .
فصلاة الجماعة تعني اجتماع فرقة في مكان ما للصلاة، والركن الأساس في هذا التعريف لصلاة الجماعة والشرط الأكبر هو “الاجتماع”..
ومعلوم أن الشرط يجب من عدمه العدم..فبانعدام “الاجتماع” تنعدم صلاة الجماعة .
لا يتأتى في الشرع ان تكون الصلاة صلاة منفرد من الناحية الواقعية ، وصلاة جماعة من الناحية الافتراضية !
هذا المزج بين الواقعي والافتراضي حالة شاذة في الفقه لا نظير لها إلا مسألة “المعادّة” في التركة !
وإعطاء المعدوم حكم الموجود لا يستساغ شرعا إلا بنوع من التقدير أملته الضرورة، كالمقتول تورث عنه الدية، وإنما تجب بموته ، ولا تورث عنه إلا إذا دخلت في ملكه ، فيقدر دخولها قبل موته .
فما هو التقدير الذي سنقدره إذا أعطينا للجماعة المعدومة حكم الموجود ؟
هل نقول مثلا بان المأموم الغائب عن الإمام حاضر معه بروحه ؟!!
هذا التقدير يحتاج الى استشارة من المهتمين بتحضير الأرواح !!
حتى نتأكد من مغادرة الروح للجسد وحضورها مع الامام !
وليت شعري !!..ما لذي يدعونا إلى صلاة تضطرنا الى الفصل بين الروح والجسد ؟!!
الوجه الرابع:
اشتراط الاجتماع بين الامام والمأموم كانت مسالة مستقرة في نفوس الفقهاء ، تنحو منحى البديهة التي لا تحتاج الى ذكر وتنبيه..
ولهذا كانوا يصرحون بها احيانا ، ويعبرون عنها احيانا باشتراط اتحاد المكان، واحيانا بإمكان السماع والرؤية، واحيانا بتحديد اقصى المسافة بين الإمام والمأموم .
فمن امثلة التصريح بشرطية الاجتماع :
صرح زكريا الانصاري الشافعي ببطلان صلاة مأموم ليس مع إمامه في مكان واحد فقال :
(فإن لم يحاذه على الوجه المذكور بطلت صلاة المقتدي لأنهما حينئذ لا يعدان مجتمعين في مكان واحد) أسنى المطالب في شرح روض الطالب (1/ 225)
وقال الخطيب الشربيني الشافعي: (وإن كان الامام والمأموم بغير مسجد من فضاء أو بناء شرط ..أن لا يزيد ما بينهما ولا ما بين كل صفين أو شخصين ممن ائتم بالامام خلفه أو بجانبه على ثلاثمائة ذراع بذراع الآدمي تقريبا أخذا من عرف الناس، فإنهم يعدونهما في ذلك مجتمعين) الاقناع في حل ألفاظ أبى شجاع ـ(1/ 155).
وصرح أيضا بأن الحائل الذي يمنع الرؤية ومرور الصوت يبطل الصلاة لأنه يتنافى مع الاجتماع فقال : (فإن حال ما يمنع مرورا كشباك أو رؤية كباب مردود لم يصح الاقتداء إذ الحيلولة بذلك تمنع الاجتماع،) الاقناع في حل ألفاظ أبى شجاع (1/ 155)
وقال ابن مفلح الحنبلي في ذكر شرط الاتصال بالإمام : (يشترط الاتصال العرفي الذي يعد اجتماعا عرفا) النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر (1/ 120)
وتارة يعبر العلماء عن شرط الاجتماع بلفظ “اتحاد المكان” ويكثر ذلك عند الحنفية، وأحيانا عند الشافعية ،ومن أمثلة ذلك :
نص الحنفية على أن “اتحاد المكان من شرائط صحة الاقتداء”، صرح بهذه العبارة الكساني في بدائع الصنائع (1/ 450)، والبابرتي في العناية (2/ 460).
وقال الكاساني في ذكر شروط الاقتداء : ( ومنها : – اتحاد مكان الإمام والمأموم ، ولأن الاقتداء يقتضي التبعية في الصلاة ، والمكان من لوازم الصلاة فيقتضي التبعية في المكان ضرورة ، وعند اختلاف المكان تنعدم التبعية في المكان فتنعدم التبعية في الصلاة لانعدام لازمها) بدائع الصنائع (2/ 83)
وصرح العلامة نوح أفندي بأن (المشهور من مذهب النعمان أن الاقتداء لا يجوز عند اختلاف المكان) رد المحتار (4/ 322)
وقال ابن عابدين : (فقد تحرر بما تقرر أن اختلاف المكان مانع من صحة الاقتداء) رد المحتار (4/ 323)
بل إن الشرنبلالي في الإمداد بالغ في شرط اتحاد المكان فقال : (لا يصح اقتداء الراجل بالراكب وعكسه ، ولا الراكب بالراكب لاختلاف المكان )(!!..) رد المحتار (4/ 322)
وقال سَعيد بن محمد الدَّوْعَنِيُّ الحضرمي الشافعي :في ذكر شروط الاقتداء : (الشرط الثالث: أن يجتمعا أي: الإمام والمأموم في مكان) شرح المقدمة الحضرمية (ص: 342).
ومن المهم أن نلاحظ أن العلماء عندما تحدثوا عن شرط الاجتماع واتحاد المكان، استثنوا من ذلك من كان بداخل المسجد فألغوا هذا الشرط بالنسبة له ، لأنه يعتبر مجتمعا مع الامام مهما كانت المسافة التي تفصل بينهما..
قال ابن قدامة : (يجوز أن يأتم بالإمام من في المسجد وإن تباعد لأن المسجد كله موضع للجماعة) الكافي في فقه ابن حنبل (1/ 299).
الوجه الخامس:
المالكية هم أوسع المذاهب في الترخيص في الفاصل بين المأموم والإمام فأجازوا أن يكون نهرا صغيرا أو جدارا ينفذ منه الصوت أو منزلا قريبا من المسجد ،ولم يقدروا لبعد المأموم عن الإمام مسافة محددة ، لكنك تجد في كلامهم الحديث عن “البعد” كمانع من موانع الاقتداء .. ومن أمثلة ذلك :
وقال الحطاب المالكي : (قال ابن بشير اختلف قوله في المدونة في الإمام يصلي في المسجد ويصلي قوم فوق المسجد بصلاته فكرهه مرة وأجازه أخرى وعللت الكراهة بالبعد عن الإمام أو تفرقة الصفوف وعدم التحقق لمشاهدة أفعال الإمام ….والظاهر التعليل بالبعد ) مواهب الجليل (2/ 451)
وقال المواق المالكي: (من المدونة قال ابن القاسم : لا يعجبني أن يصلي على أبي قبيس وقعيقعان بصلاة الإمام بالمسجد الحرام .
ابن يونس : يريد لبعده عن الإمام) التاج والإكليل (2/ 148)
وذكر الحطاب أن الخلاف في صحة من صلى بابي قبيس راجع إلى مسـألة البعد عن الإمام ، فقال :
(يكره لمن كان بأبي قبيس أن يصلي بصلاة الإمام, قال في المدونة ولا يعجبني أن يصلي على أبي قبيس وقعيقعان بصلاة الإمام في المسجد الحرام انتهى. قال ابن بشير واختلف الأشياخ في صلاة من فعل ذلك فمنهم من قال بالصحة ومنهم من قال بالبطلان …قلت: هذا يدل على أن “لا يعجبني” على التحريم, وقال عبد الحق: قال غير واحد إنما كره الصلاة لبعده عن الإمام ) مواهب الجليل (2/ 434)
ثم رجح الحطاب ان صلاة من بابي قبيس مقتديا بإمام الحرم مكروهة مع الصحة ان تمكن من صوت الامام ،وباطلة ان لم يتمكن منه فقال :
( صلاة من كان بأبي قبيس مقتديا بصلاة الإمام مكروهة على ما قال ابن القاسم وهي صحيحة ما لم يتعذر عليه مراعاة أفعال الإمام فلا شك في البطلان … لكثرة البعد هنا فتعسر المراعاة لأفعال الإمام, وإن أمكن ذلك بتكلف) مواهب الجليل (2/ 434).
ولا يخفى ما في هذا الكلام من مراعاة البعد والمسافة لأنه افتى بالكراهة مع التمكن من صوت الإمام ..فتأمل !
ويؤيد هذا ايضا قول ابن رشد :(لم يكره في المدونة الصلاة على قعيقعان وأبي قبيس بصلاة الإمام في المسجد الحرام إلا من أجل بعدهما عن الإمام مع ارتفاعهما،) البيان والتحصيل (1/ 484)
الوجه السادس:
اهتم الفقهاء بتحديد أقصى المسافة بين الامام والمأموم خارج المسجد واختلفت مذاهب العلماء في هذا التحديد ..
-فذهب الحنابلة إلى تحديده بالعرف .
قال ابن قدامة : (ويشترط اتصال الصفوف وهو أن لا يكون بينهما بعد كثير لم تجر العادة بمثله واشترط أصحابنا أن لا يكون بينهما نهر تجري فيه السفن ولا طريق والصحيح أن هذا لا يمنع لأنه لا يمنع المتابعة إلا أن يكون عريضا يمنع الاتصال) الكافي في فقه ابن حنبل (1/ 299)
وقال ابن قدامة ايضا : (فإن معنى اتصال الصفوف أن لا يكون بينهما بعد لم تجر العادة به) المغني (2/ 39)
وقد حدد الشافعي أقصى المسافة بين الامام والمأموم بثلاث مائة ذراع فقال :
(فإن صلى قرب المسجد ، وقربه ما يعرفه الناس من أن يتصل بشيء بالمسجد ، لا حائل دونه فيصلي منقطعا عن المسجد ، أو فنائه على قدر مائتي ذراع ، أو ثلاثمائة ذراع ، أو نحو ذلك فإذا جاوز ذلك لم يجزه) الحاوي الكبير للماوردي ـ (2/ 781).
وصرح صاحب “الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي” أن هذه المسافة تعادل 150 م تقريبا.
و اعترض ابن قدامة على هذا التحديد الذي اختاره الشافعي ، فقال :(وحكي عن الشافعي أنه حد الاتصال بما دون ثلاث مائة ذراع والتحديدات بابها التوقيف والمرجع فيها إلى النصوص والإجماع ولا نعلم في هذا نصا نرجع إليه ولا إجماعا نعتمد عليه فوجب الرجوع فيه إلى العرف كالتفرق والإحراز والله أعلم) المغني (2/ 39).
ويرد على اعتراض ابن قدامة أن الإمام الشافعي صرح بأن هذه المسافة هي التي يقضي بها العرف .
ولذلك قال النووي:(وقدر الشافعي القريب بثلاثمائة ذراع لانه قريب في العادة هذا اختيار منه للصحيح وقول الجمهور أن هذا التقدير مأخوذ من العرف) المجموع شرح المهذب (4/ 308).
والحنفية لم يقدروا مسافة محدد للبعد بين الإمام والمأموم ،لكنهم حددوا مقدار الفاصل الذي يمنع الاقتداء كالطريق الكبير والنهر ، وفي ذلك يقول الكاساني :
( سئل أبو نصر محمد بن محمد بن سلام عن مقدار الطريق الذي يمنع صحة الاقتداء فقال : مقدار ما تمر فيه العجلة (العربة) وتمر فيه الأوقار ، وسئل أبو القاسم الصفار عنه فقال : مقدار ما يمر فيه الجمل ،وأما النهر العظيم فما لا يمكن العبور عليه إلا بعلاج كالقنطرة ونحوها) بدائع الصنائع (2/ 84).
وبين السرخسي مقدار الطريق والنهر بقوله : (والمراد طريق تمر فيه العجلة …..، والمراد من النهر ما تجري فيه السفن فما دون ذلك بمنزلة الجدار لا يمنع صحة الاقتداء) المبسوط للسرخسي (2/ 51)
واما المالكية فإنهم عندما يريدون تحديد المسافة المسموح بها للفصل بين الإمام والمأموم فإنهم يحدونها دائما بالتمكن من العلم بصلاة الإمام ومتابعته ، واحيانا يعبرون عن ذلك بالسماع والرؤية .
كما في قول الخرشي : (المأموم يجوز له الاقتداء بالإمام ولو كان بينهما فاصل من نهر صغير أو طريق والمراد بالصغير ما يأمنون معه عدم سماع قوله أو قول مأمومه أو رؤية فعل أحدهما) شرح خليل للخرشي (4/ 461).
وقد يتوهم البعض ان اشتراط المالكية لعدم البعد إنما هو من أجل ضمان تحقق السماع والرؤية ومتابعة الإمام ..
فإذا تحققت المتابعة من خلال السماع والرؤية فلا عبرة بالبعد !
وهذا فهم خاطئ !!
لأن المالكية جعلوا السماع أو الرؤية معيارا لضبط أقصى المسافة بين الإمام والمأموم، ولم يقصدوا بذلك جعل “شرط القرب” وشرط “العلم” شيئا واحدا ، أو أن أحدهما ينوب عن الآخر ..!
وقد أوردت سابقا نص عباراتهم التي تدل على “اشتراط عدم البعد” ، ولا معنى لأن يقال : “إنما أرادوا باشتراط عدم البعد ضمان التأكد من السماع أو الرؤية” ، لأن هذا تحكم لا دليل عليه ، والأصل في الكلام أن يحمل على معناه الظاهر .
ومن الأدلة على أن شرط “عدم البعد” يعتبر عندهم شرطا مستقلا ، قول الخرشي :(ككراهة اقتداء من بأبي قبيس بمن بالمسجد الحرام قال أبو عمران : للبعد انتهى ،فالمقتدي كأنه ليس معهم وإن كان يسمع تكبير الإمام إلا أن تتصل الصفوف إليه) شرح خليل للخرشي (4/ 423).
فتأمل هذه العبارة المهمة التي قالها الخرشي : (فالمقتدي كأنه ليس معهم وإن كان يسمع تكبير الإمام) فهي صريحة في أن سماع تكبير الإمام لا يكفي للحكم بالمعية ، بل لا بد أن تكون المسافة غير بعيدة ..وهذا نص في محل النزاع !!
الوجه السابع:
يبرر أصحاب هذه الفتوى مذهبهم بكونه فيه تيسير على الناس وتسهيل لأداء صلاة الجماعة من أجل عدم حرمانهم منها ..
والقاعدة أن “كل مكمل عاد على أصله بالنقض فهو باطل” ..
وهذه الفتوى لن تكون سببا في تسهيل صلاة الجماعة ، بل ستكون سببا في تكاسل الناس عنها ، وعدم الحضور إلى المسجد ، والاكتفاء بمتابعة الإمام من خلال الإذاعة أو التلفاز ..وبالتالي فهي باطلة لأنها عادت على أصلها بالنقض !!
وقد سئل العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمة الله عليه فقيل له : “هل يجوز للمسلم أن يصلي مع الصلاة التي تنقل في التلفزيون أو الإذاعة من دون أن يرى الإمام خصوصاً للنساء؟”
فأجاب رحمه الله : (لا يجوز للإنسان أن يقتدي بالإمام بواسطة الراديو أو بواسطة التلفزيون؛ لأن صلاة الجماعة يقصد بها الاجتماع، فلابد أن تكون في موضع واحد، أو تتصل الصفوف بعضها ببعض، ولا تجوز الصلاة بواسطتهما، وذلك
لعدم حصول المقصود بهذا، ولو أننا أجزنا ذلك لأمكن كل واحد أن يصلي في بيته الصلوات الخمس، بل والجمعة أيضاً، وهذا مناف لمشروعية الجمعة والجماعة، وعلى هذا فلا يحل للنساء ولا لغيرهن أن يصلي أحد منهم خلف
المذياع أو خلف التلفاز. والله الموفق.) فتاوى أركان الإسلام (3/ 109).
******
وبهذه الأوجه التي ذكرنا يتبين لك فساد هذه الفتوى، وعدم استنادها إلى الدليل الشرعي .
والله ولي التوفيق .
كتبه : محمد الامين ولد آقه
23رمضان 1441هـ.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق