المستعرضكتابنا

حول زيادة رواتب النواب “زين بعد احليب مربه لراص”/ المامي ولد جدو

يقول المثل الشعبي بأنه “زين بعد احليب مربه لراص”، وأصل الحكاية أن خادما يقوم بحلب بقرة مشغليه “الخندود” التي تملئ “تاديت” بإخلاص عندما يكون هو من سيشرب لبنها، وعندما يكون اللبن لأصحابها لا تمتلئ “التاديت” فتسأله السيدة لماذا يا “مربه” تملئ “المحلاب” عندما تكون أنت من سيتناول لبن البقرة ،وعندما تحلبها لنا نحن لا تملئ التاديت؟ فأجاب بكل وضوح “ذاك حليب مربه لراص” مع اختلاف الروايات.

كما يقول مثل آخر “اللي توال شي ظاكو” و تذكرنا هذه الأمثال الشعبية بما يدور اليوم من موجة سخط مردها تناسي آهات المعلم والممرض وغيرهم من العاملين ذوي الرواتب المتدنية والمعاشات التقاعدية الزهيدة، من قبل الحكومة ومشرعيها.

لكن الحقيقة أو الواقع أن “الكوكتيل” الحالي للبرلمان وصل عبر انتخابات استثنائية شارك فيها قرابة المائة حزب، واوصلت تلك الانتخابات برلماني “شارع الرزق” وبرلمانيي”تجارة الصين” وبرلماني قطع غيار السيارات، و القبيلة أو الجهوية، و برلمانيي “الوِرد”، والصدفة، وكبيرهم الذي قال يوما في مهرجان إنتخابي بأنه”متل من الفظة”.

هذا التشكيل لا ينتظر منه أن يكون مشرعا، وإنما شراعا لمصالح تلك الخلفيات التي انتخب من أجلها، ولنفسه.

لم يحالف الحظ أحد هؤلاء النواب في حفظ ماء وجهه من ردات الفعل الإهتزازية على مقياس “فيس بوك”، بعد أن تقدم للتبرع “سنويا” بجزء من راتبه “الجديد” مناصفة بين معلم وأستاذ تحت يافطة جائزة سنوية للمعلم الأكثر كفاءة، الشيء الذي اثار حفيظة الأسرة التربوية، وعبر الكثير من المعلمين على صفحاتهم عن استيائهم من “استهزاء” النائب بهم، رغم أن النائب المحترم -الذي صعد فجأة كالأغاني الهابطة، وبدأ في استغلال الدقائق  المخصصة لطرح مشاكل المواطن تحت قبة البرلمان للأوراد والتراتيل- دعا للتدوين تحت وسم “راتب الگراي هو راتبي” في حين أن الحقيقة هي أن راتبه أصبح يفوق راتب “الگراي” بعشرة أضعاف.

والأدهي من ذلك –وأمر بالنسبة لمن علمه الحروف الأولى- أن الراتب “التقاعدي” للبرلمانيين يبلغ  180 ألف أوقية لمن انتخب لمأمورية واحدة، أي بشكل أوضح “رترت” النواب اكبر من راتب معلم “بالز عينيه فالسبورة”، وينبهه أحد التلاميذ “سيدي راه فلان بال فسروال” عندما يبلل احد تلاميذ الإبتدائي بنطاله .

كما يمكن للبرلماني أن يستفيد من نهاية مأموريته الانتخابية من الراتب التقاعدي، ويحق له الاستفادة من الراتب التقاعدي في الوظيفة العمومية كذلك.

وتم التشريع في البرلمان الماضي لأن يستفيد من الولاية الأولى دون حرمان الموظفين، ويحصل البرلمانيون “المنتهية مأموريتهم” على 180 ألف أوقية قديمة في الولاية الأولى، و240 ألف في الولاية الثانية، و320 ألف في الولاية الثالثة.

وخلافا للعديد من برلمانات العالم لا يرتبط الحصول على المعاش التقاعدي في الجمعية الوطنية الموريتانية بعامل السن، حيث أن مجلس الشيوخ الكندي يشترط 75 سنة أو 60 سنة مع قضاء 6 سنوات من الانتداب، وبرلمان فرنسا وبلجيكا، يشترط 62 سنة، وألمانيا 63 سنة، واللوكسمبورغ 60 سنة أو 30 سنة من الانتداب، أو سنة من الانتداب في حالة تعرض البرلماني لعاهة مستديمة، أثناء مهامه، والولايات المتحدة الأمريكية تشترط 62 سنة مع 5 سنوات من الخدمة، أو 50 سنة مع 20 سنة من الخدمة، أو 25 سنة من الخدمة مع عدم اعتبار السن، دولة الكامبودج تشترط 60 سنة، وهناك دول لا توفر أي معاش للبرلمانيين، مثل روسيا وتشاد والأردن والكونغو وبوركينافاصو، كما هناك دول تطبق النظام لكن باقتطاع المساهمات في التقاعد من تعويض البرلماني دون مساهمة الدولة.

هذا فضلا عن وضع اسطول من السيارات تحت رهن إشارتهم، و تعويض لجلسات اللجان والأسفار، وفرق الصداقة مع برلمانات الدول التي تنتج لنا برلمانيين “طائرين” يمضون وقتا في التحليق أكثر من الجلوس تحت قبة البرلمان، ويستفيد بعضهم من تعويضات التذاكر والإقامة دون حتى أن يشارك في المؤتمرات الدولية التي ينتدب للمشاركة فيها، وآخرين يستميتون في الدفاع عن مصالح دول وشعوب أخرى أكثر من “استبسالهم” في الدفاع عن مصالح الشعب الموريتاني الذي انتخبهم.

لقد بدأت مقترحات النائب محمد بوي ولد الشيخ محمد فاضل تصاب بالإسهال حيث أعلن على حسابه في الفيس بوك عن سحبها تباعا بناء على تعهدات لفظية من بعض زملائه حسب ما قال.

ورغم أن المادة 89 من المسطرة التشريعية للجمعية الوطنية ترى عدم قابلية استقبال مقترحات القوانين التي  يعلن مؤتمر الرؤساء، بنا  على رأي من المالية أن من شأن المصادقة عليها نقص الموارد العمومية أو خلق أو تضخيم نفقة عمومية، ما لم تكن مصحوبة بمقترح يتضمن ما يعادلها من زيادة في الإيرادات طبقا للمادة 62 من الدستور كما يقول نص المادة، إلا أنه لم يكن من اللائق حصول النواب على زيادة معتبرة، في حين أن من حملوهم على اكتافهم للبرلمان، ومن يضمدون جراحهم، ومن يحمون ثغورهم، لا زالوا يملئون الساحات، و يرفعون اللافتات وينظمون الإضرابات للمطالبة بزيادة علاوة الخطر والطبشور.

وفي الوقت الذي يتشبث فيه البرلمانيون الموريتانيون بالجمع بين الوظائف و المناصب وتعدد التعويضات، واعتراضهم على تعديل القوانين بالتنصيص على حالة التنافي، صادق البرلمان الفرنسي على قانون منع تعدد المهام، و ينص على منع تراكم المناصب الانتخابية للبرلمانيين بالغرفتين الأولى والثانية، ويمنع القانون الجمع بين صفة برلماني وعمدة أو نائب عمدة بلدية، وكذلك برلماني ورئيس جهة أو نائب الرئيس.

“رحم الله” نواب الأغلبية في البلدان الديمقراطية عندما يحاولون الحفاظ على شعرة معاوية مع الحكومة التي يدعمونها، والشعب الذي انتخبهم، و عندما تتعلق الأمور بمصالح الشعب ينحازون له دون أي تردد، بينما يرتبط نوابنا المحترمون بقضيب حديد مع الحكومة لا يمكنهم الفكاك منه، لأنهم نواب الحكومة وليسوا نواب الشعب.

المامي ولد جدو

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق