رأي

الكراخوانية ربيبة البرنايرية والاردوغانية/ علي شندب

خلال زيارتي مدينة بنغازي في رمضان 2019 للمشاركة في ندوة نظمتها الخارجية الليبية بعنوان “الحرب على الإرهاب أي دور للإعلام”. جلت في أرجاء مدينة البيان الأول ومدينة الثورات والتمردات، المعروفة أيضا باسم “مدينة البحيرات”، وتسمّرت أمام الدمار الهائل الذي أتى على أكثر من نصف مبانيها الجميلة وشوراعها الأنيقة والمتداخلة، في سياق حرب الضرورة التي شنّها الجيش الليبي على الميليشيات الإخوانية القاعدية البرنايرية، حتى أحكم عليها السيطرة، ولاذ من بقي منها حيا بالفرار بحرا الى مدينة مصراتة.
في تلك الجولة توقفت أمام المبنى المدمر لمحكمة بنغازي، التي كانت ساحتها مسرحا للمظاهرات ضد النظام السابق، كما كانت شرفتها منبرا لخطب برنار هنري ليفي الذي قدّم نفسه كصحفي فرنسي، ولاحقا كصديق لساركوزي، ليتبيّن فيما بعد أنه المرشد الأعلى لمجاهدي الناتو وثواره.
وكلنا يذكر أن خطب ليفي وكذلك اجتماعاته وهو يوجه مسؤولي ما عرف بالمجلس الوطني الانتقالي، وأيضا في غرفة العمليات وهو يستعرض خرائط تقدم الثوار مع أمراء الميليشيات وبعض الجنرالات المنشقين على نظام القذافي، كانت منقولة مباشرة على الفضائيات العربية والأجنبية وهو يرمي بحماسة حاقدة في أفواه جائعة لقيمات الثورة.
لكن حرب الجيش الليبي ضد ميليشيات برناير (مصطلح يجمع بين مفردتي برنار وفبراير) أتت على مبنى المحكمة والمباني المحيطة بها أيضا.
أمام المحكمة تساءلت هل تستحق بنغازي مثل هذا الثمن الباهظ من الموت والدمار، وهل وعى البنغازيون مخاطر الثورة التي تبيّن أنّها فورة، وهل تدمير مبنى المحكمة بوصفه مقرا لميليشيات برناير، ومنبرا لبرنار ليفي قضى على البرنايرية وأهدافها التدميرية في ليبيا؟.
ثم تناسلت الأسئلة المكثفة في ذهني حول المؤامرة التي ألبست زورا رداء ثورة، واستقرت عورة.
بالأمس القريب، فوجئ الليبيون والعرب والعالم، بعودة الصهيوني الفرنسي برنار ليفي الى ليبيا. وأثار ظهوره في مصراتة زوبعة من المواقف المتناقضة والمحرجة في حكومة الوفاق غير الوفاقية، حيث سارع فايز السراج للتبرؤ منها. وفعلت بلدية مصراتة الأمر ذاته (رغم أن رئيسها السابق سليمان الفورتيه سبق ومنح ليفي الجنسية الليبية المصراتية)، وأثار الامر سجالا حتى في صفوف البرنايريين إياهم، ليحسم الجدل أن ليفي هبط في مصراتة بطائرة خاصة وبتأشيرة صادرة عن ولّي أمر التأشيرات فتحي باشاغا الذي أضاف لتأشيرته، تأمين الحماية العسكرية والأمنية اللازمة لبرنار ليفي “الصحفي” الذي يريد إعداد تقرير لصحيفة أميركية عمّا تعرضت له ترهونة. لكن ترهونة وبكبريائها الجريح رفضت استقباله وطردته عن ترابها شر طردة.
لكن هل فعلا أن ليفي دخل ليبيا لإعداد تقرير صحفي، أم ليرى بأم العين مآلات فورته التي قذفها في عقول ليبيين اعتنقوا البرنايرية سبيلا ومنهاجا؟.
إنه أتى ليتأكد أن بذور زرعه المسوم قد أينع وأصبح زقوما بعد عشر سنوات على نثره ذات 17 فبراير غير مجيد في بنغازي وأيضا في مصراتة التي قال عنها غراتسياني منذ 100 عام، أنها رأس الأفعى كلما كانت ليبيا أفعى.
لكن ما علاقة البرنايرية بالغزوة الاردوغانية في ليبيا؟.
في مقال سابق بعنوان “كراغلة تركيا وشرعيّات تدخل مصر في ليبيا”، تحدثنا عن الكراغلة (وهي كلمة تركية مفردها “كرغلي”، ومتكوّنة من قسمين “كول” و”أوغلي” وتعني باللغة العربية “ابن العبد”). ويعود أصول “الكراغلة”، بحسب الكثير من الكتب والمراجع التاريخية والأرشيف العثماني، لحقبة الإحتلال التركي لليبيا.
فالكراغلة وكما تقول الوثائق وكتب التاريخ هم أبناء ليبيات متزوجات بجنود أتراك، أو مغزيات أثناء الغزو والاحتلال التركي، وهم منذ ذلك الزمن خدم الاحتلال التركي في ليبيا. كما اليوم هم خدم غزوة الاردوغان، الذي عرف كيف يمزج بين الكراغلة كمكون من اصل تركي وبين الاسلام السياسي، وليتمكن عبر هذا المزيج الإخواني الكرغلي، من استثارة عصبية جعلت الأقلية الكراغلية تحكم ليبيا وتتحكم بها.
والكراغلة ليسوا حكرا على ليبيا، ولكنهم موجودين في تونس والجزائر وبلاد الشام والبلقان وكل بلاد احتلها الأتراك.
لكن كل هذا الكلام لا يسلط الضوء الكافي على الكراغلة، لكنه يفتح حتمية البحث العلمي والنقاش البنّاء الذي يؤدي الى إضاءة الزاويا المعتمة في هذا الملف الغامض، والذي لم يتم فتحه وإثارته الا بعد سقوط الدولة الليبية ونظام القذافي، حيث يتبين بوضوح حصول نوع من التواطىء المتبادل والهادف بين بعض الكراغلية التواقين للامسك بمفاصل السلطة مثل الدكتور علي الصلابي، وبين طموحات الاردوغان الطورانية التوسعية. إنها الطموحات المرتكزة على عاملي الولاء العرقي لتركيا الجاري استثارته، وأيضا على ولاء الاخوان بصفتهم مصنع غالبية حركات الإسلام السياسي للسلطان الاردوغاني.
وبالعودة الى استثارة عصبية الكراغلة فينبغي التوقف عند أمر العمليات الذي انطلق عامي 2014/2015 وهو مستمر لهذه اللحظة وقضى بتأسيس جمعية “كوارغلية ليبيا” وبفتح حساب فيسبوكي باسم “ليبيا: كرغلية، أتراك، عثمانية”، بالإضافة الى فتح حساب على “ويكبيديا” باسم “اتراك ليبيا”، الذين باتوا جزءا من أدبيات حزب العدالة والتنمية الاردوغاني.
وفي هذا السياق ينبغي النظر الى استراتيجية تركيا في ليبيا القائمة على بقائهم فيها الى الأبد بحسب خلوصي اكار، ربما ينبغي امعان النظر فيما تفعله تركيا من خلال تشكيلات الأجهزة الشرطية والأمنية للامساك بملف الامن الداخلي في طرابلس العاصمة، وهو الملف الذي ما تم القبض عليه، فيتم القبض من خلاله على قيود السجل المدني وملف الهجرة والجنسية الذي يسوده نشاط في تجنيس الكثير من مرتزقة تركيا ليكونوا أدوات تركيا في حكم طرابلس وما حولها.
ما تقدم، يعني أن هناك محاولات محمومة للعبث بالنسيج الوطني الاجتماعي لليبيا، من خلال كلام الاردوغان أن في ليبيا مليون تركي من أصل ليبي، إنه الكلام المستولد والمقتبس مما عملت عليه الحركة الصهيونية لجعل فلسطين المحتلة وطنا قوميا لليهود.
الكلام عن الكراغلة، لا يستهدفهم كمكون اجتماعي يضم الكثير من الرموز الوطنية المعروفة في الدفاع عن ليبيا، ومنهم “بلقاسم القانقا” على سبيل المثال لا الحصر. وانما هو محدّد ومحصور بالتيار الإخواني البرنايري داخل الكراغلة والمندّس في غالبية مدن وقبائل ليبيا، ومنها مصراتة التي يتمركز فيها جنرالات تركيا، ويتخذون من قاعدتيها الجوية والبحرية غرفة العمليات التي تتركز مهامها في تمكين إنكشارية الاردوغان من كراغلة ليبيين، سوريين، تونسيين.. من الهجوم على مدينتي سرت والجفرة.
واذا كان “الكراخوان”، أو التيار “الكراغلي الاخواني”، هو التيار الذي يحكم كامل غربي ليبيا انطلاقا من مصراتة وليس من طرابلس، كما ويتحكم بمقاليد السلطة والمال والميليشيات الموصوم بعضها بالإرهاب. فالكراخوان هم حوافر الاردوغان الأكيدة في كل بلد غزاه المحتل التركي ثم سلّمه لمحتل أجنبي آخر، كما حال تونس والجزائر على سبيل المثال لا الحصر.
أما البرنايرية، فهي ذلك الخليط المهجن، الذي تسلّل بمنطق مصلحي تخادمي بين الكراخوان ونظرائهم من الشخصيات الليبرالية والعلمانية والعروبية والثوروية من الذين صدقوا حمد بن جاسم وعمرو موسى، وخدعوا بدموع هيلاري كلينتون، واستسلموا لنجدة الناتو ونيكولا ساركوزي صديق برنار ليفي، في تسعيرهم الجهنمي بحجة “حماية المدنيين”.
وفي هذا السياق، نجد أن البرنايرية مدجّجة بمنصات ورادارات وأساطيل إقليمية وناتوية، تماما كما تتمتع الكراخوانية بمنصّات ومجسّات إقليمية، بزعامة اردوغانية تطل على شبكة علاقات ومصالح دولية.
وفي هذا السياق أيضا، علينا عدم الاستغراب من كون أن وزير داخلية الوفاق الإخواني فتحي باشاغا، هو من رتّب ونسّق وجهّز لزيارة برنار ليفي الى ليبيا إنطلاقا من مصراتة، كما علينا عدم الاستغراب من الربط بين البرنايرية والكراخوانية، فالاستغراب يكمن فقط في عدم الربط بينهما. إنه الربط المعقودة حبكاته بإحكام منذ عام 2011 وحتى اليوم، وهي الحبكات التي تُجسّد فعلا وفعليا ما يمكن تسميته بـ “التحالف البرنايري الكراخواني الاردوغاني”.
لكن هل فعلا أن مهمة المرشد الأعلى لثورات الربيع المسمومة برنار هنري ليفي هي اعداد تقرير صحفي، عمّا وصفه بالانتهاكات الجسيمة في ترهونة، أم أن لهذا التحالف مهام مضمرة يجري تمويهها بتقرير صحفي، وهل هذه المهام المضمرة محدّدة بتضاريس ومناجم وحقول الجغرافيا الليبية حصرا؟.
لقد باتت ليبيا، وبفعل “التحالف البرنايري الاردوغاني الكراخواني” هذا، بمثابة المختبر ومركز التجنيد واستقطاب المرتزقة ومعهد التدريب والتجهيز وبيت المال ومصدر التمويل وحدائق الاستراحات الخلفية المدعمة بموانىء بحرية ومطارات ساحلية وصحراوية وغرف عمليات، يهدف الاردوغان بوصفه رأس حربة التحالف الى استنساخ الحالة الليبية لتعميمها في دول جوار ليبيا، حيث تشكل الجزائر الهدف الأول، فيما مصر الهدف ما قبل الأول. أمّا تونس فتعيش واقعا محموما مع محاولات قيس سعيد والتيارات الوطنية التونسية في منع الغنوشي والغنوشيين من استعمال تونس كقنطرة معاكسة عبر استكمال مناجاة الاردوغان واستدعاء أساطيل حفدة السلطان “سنان باشا” العثماني، بهدف استنساخ تجربة صلابيي ليبيا وصالبيها في تونس وعبرها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى