كتابنا

الرواية/ صلاح الدين الجيلي

ليست هناك رواية تكتب لكل القراء، و ليس هناك ناقد، مهما علا شأنه، قد يمتلك من القدرة، ما يُشوش به على إعجاب قارئ برواية ما، تماهى شخصه معها حتى أضحت معيارا يقيسُ به و عليه.

الرواية -أي رواية- لا تحتاج لمتعلمٍ ناضج، ليفهمها بقدر ما تحتاج لمن تتوفر عنده أدوات التخيل و صفاء التلقي، لينبهر أكثر، و يضيع في أجوائها أكثر، و متى قرأ الرواية عدد أكبر من أولائك المرضى بالبحث عن عوالم أخرى، شاعت و بلغت الآفاق، فكثيرون منهم مستعدون، و دون تردد لتبنيها، أولئك الذين سيتطورون، لنطلق عليهم لاحقا، لقب النقاد.

الرواية، هي قهوة تُقدم بأكثر من طريقة، و تُشرب في أكثر من وقت واحد، فقهوة البيت مثلا، ليست بطعم قهوة مقهى على شاطئ البحر، و قهوة البيت نفسها، ليست بنكهة و مذاقِ تلك التي تُقدم في شرفة البيت نفسه.
بمعنى أن الرواية أيضا، لها أجواؤها و مناخها، الذي إن توفر للقارئ، سيكون ذا قدرة على التمييز بين نكهاتها، انتشاءً أو تأففا أو حتى قرفا.

أكبر كتاب هذه الدنيا، في غالبهم، عاشوا ذلك التذبذب بين شخصية القارئ الباحث عن متعة التذوق، و الكاتب الباحث عن المكان، الذي يصلح لاستعادة تلك النشوة، و هو ما جعلهم يكتبون أعمالا خالدة، يشعر من يقرؤها أنه مشارك في الكتابة، بل يُخيل إليه أنه يستطيع أن يكتب هذه الفقرة أو تلك، بينما لا يحصل ذلك الشعور إلا لتأثره بصدق الكاتب.

أعتقد بأن من يقرأ الروايات الجديدة، من هذا الجيل، يقرؤها لسببين:

الأول:
لأنها تماما مثل الأطعمة السريعة، تُخرجك من جوع مفاجئ، إلى شبع مفاجئ، كل همك خلاله، أن تُنهي القطعة بيدك، لا لشيء، إلا لتكون قد أكملت ما دفعت ثمنه نقدا، أو لأن من تثق بذوقه، أشار بأنها لذيذة جدا..سترمي ورقة اللف في أقرب سلة و تنطلق،
أجزم يقينا، بأنني لو سألتك عن مكونات الشطيرة، التي أكلتها لتوك، فلن تكون متأكدا إلا من مكونين أو ثلاثة..

ذلك تماما ما يحدث معهم، و لا لوم عليهم، فدور النشر، أضحت مجرد مطاعم سريعة، لروايات و كتب خفيفة، من قبيل، إقرأ و انسَ..و الحاصل أنك تنسى كل شيء، إلا العناوين، كنسيانِك لطعم الشطيرة و تذكرك لعنوان المطعم البارز المضيء بعدة ألوان..و فجأة تقرر أن تكتب!!

لتُثبت أن الحياة مليئة بالعبث و العابثين.

الثاني:
لا حمولة و لا قيمة توعوية ناصحة، تقدمها جُلُّ الروايات الجديدة، و هذا يُريح القارئ الجديد، إذ أن أغلب فئاتِ هذا الجيل العمرية، فئات متمردة على النصيحة، على التوجيه، متبرمة على كل من يرى أنه في موقع يُمكِّنه من رؤية ما لا يراهُ الذي في لمحة بصر يستطيع أن يطوف العالم من خلال جهاز صغير يخرجه من جيبه الخلفي، فمن هو الكاتب الذي يظن نفسه قد حوى حكمة لقمان ليوجه -و لو من خلال تجربة قد تخصه وحده، أو أسلوب متفرد يبتكره، أو سردٍ ذا نكهة شهية- جمهورا نزقا، مستعد لطيِّ صفحة الرواية كلها، لو اعترضه مقطع فيديو لمراهقة تملأ الإطار بوجهها وحده، لتتكلم عن يومها الحافل، و الذي يبدأ باستيقاظها في غرفة نومها، و ينتهي في ذاتِ المكان!

فقط قارنوا عدد مشاهدات ذلك المقطع، بعدد تحميلِ أشهر رواية عربية..لا صدمة و لا غرابة في الموضوع، فهذا العصر خالٍ من الدهشة، بخيل حتى بتقديم ثوانٍ لنا لنعبر عنها.

هنا لا أتجاهل أن الروايات العربية التي صدرت من بداية الأربعينيات و الخمسينيات إلى نهاية ثمانينيات القرن الماضي، قراءتها بالنسبة للجيل الجديد، مضيعة للوقت، و مضغٌ للغة عويصة، صيغت بأسلوب بائد، فهي خالية تماما من كل ما يحيط بهم من جديد عصرهم.

ما خلَّفته المسلسلات الناطقة باللهجات، و المدبلجة الأجنبية من ذائقة هذا الجيل، قضت عليه نجومية المغني و الممثل و الراقص و الراقصة و الحاوي و لاعب كرة القدم، كل أولائك الذين وصلوا بسرعة ضوئية لمبتغاهم، جعلوا من عملية القراءة عند غيرهم عملا تافها، لا وقت له، بل لا فائدة منه، و لا مستقبل وراءه، فهم جميعا يصطادون ملايين الدولارات، و حين يجلس أحدهم في مقابلة يتحاشى اللغة العربية و كأن مفرداتها طلسم سيهوي بطالعه و نجاحه، فكيف نلوم من يبحث عن كتاب أو رواية خفيفة، أظن أن تشجيعه أولى.

أما الروايات الغربية المترجمة، خاصة تلك التي راجت و اشتهرت، فمشاهدتها كفيلم، يُروج له بترشحه لأوسكار أو حصوله عليه، يُغني الجيل الذي تعلقت أعينهُ بالألواحِ الالكترونية، فلا يرى خارج إطارها، و عُلقت بآذانِه خيوط السماعاتِ، فلا يسمع غير ما تُلقي فيها، عن قراءة تلك الروايات، و التحديق المستمر لدقائق ليفهم أحدهم كلمة واحدة، أو معرفة مالذي يقصده المترجم لهيجو حين يقول مثلا في البؤساء:

“سَلَخَ” جان فالجان عشرين سنة من عمره في السجن!!

الرواية العربية، تحتاج لكمية كبيرة، من أجهزة التنفس، و كميات أكبر من الكمامات، لكي نتفادى روائح حبر الكتاب التافهين المائعين، ربما بعد كورونا بسنوات قد تجد الرواية مادة تستند عليها، سطحا جديدا غير ملوث، و حتى ذلك الحين، كلي أمل أن لا يطل علينا معتوه، بشبه حكاية، عنوانها الحب في زمن الكورونا، ثم يغتصب بُرعم “الرواية” على غلافها، أمامنا، دون خجل، حينها سأتمنى أن تُصاب تلك النوعية من الكُتابُ لوحدهم بكورونا أخرى جديدة، لا يُجدي معها تباعد اجتماعي بين ذلك الكاتب و من يقرأ له و من ينشر له، و لو أمكن، الشيطان التعيس الذي أوحى إليه، بأنه “كَاتِبْ”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق