رأي

عن وصاية قطاع الشؤون الإسلامية على بعض مؤسسات التعليم العالي في موريتانيا/ د. أحمدَ ولد نافع

يعتبر قطاع الشؤون الإسلامية في موريتانيا أحد القطاعات الرائدة المكلفة بحماية الهوية الدينية و الحضارية للمجتمع الموريتاني استمرارا لدوره الرسالي في نشر العلوم و المعارف الإسلامية التي نبغ فيها علماء و فقهاء بلادنا عبر العصور وكانوا هم العنوان الأبرز لذلك حفظا و فهما و رواية و دراية .

و لهذا فمن الطبيعي أن توكل له مهمة العمل علي ترقية التعليم العالي الأصلي و دعم البحث العلمي والإشعاع الدعوي للبلاد من خلال تطوير وإنشاء الجامعات و المعاهد العليا .

و لتمكينه من ذلك مكّنه المشرّع من الوصاية على بعض مؤسسات التعليم العالي ( مثل المعهد العالي للبحوث و الدراسات الإسلامية ، و جامعة العلوم الإسلامية بالعيون ..الخ).

و قد نجح في المهمة بجدارة و اقتدار ، منذ تأسيس المعهد العالي للدراسات و البحوث الإسلامية في سنة 1979 م و تمكّن من تأمين احتياجات البلاد من الأساتذة و القضاة و غيرهم خلال عقود من الزمن ، و تجاوزت مخرجاته حدود البلاد إلى البلدان الشقيقة و الصديقة ، و لا يزال عطاؤه مستمرا حتى الآن.

و كذلك جامعة العلوم الإسلامية بالعيون التي تأسست منذ سنة 2011 م ، كأول جامعة إسلامية وطنية في تاريخ موريتانيا الحديث منذ الاستقلال ، و يأتي إنشاؤها استجابة ملحة للحاجة الماسة إلى وجود جامعة متخصصة في منح شهادات عليا في مجال العلوم الإسلامية و العربية وما يتصل بهما ، بعد أن كان أبناؤنا يلجأون – حتى وقت قريب – إلى جامعات في دول الجوار من أجل الغاية ذاتها ، في الوقت الذي تنفرد فيه موريتانيا تاريخيا بحيازة المحظرة التي هي جامعة بدوية فريدة من نوعها ابتكرها أهل هذه الأرض في فيافيهم و صحاريهم و اتخذوا من ظهور عيسهم مدرسة بها يبين دين الله تبيانا كما قال العلامة الشيخ المختار بن بونه رحمه الله.

و منذ تأسيسها من أول يوم فإن جامعة العلوم الإسلامية بالعيون ، مثلا لاحصرا، انتهجت أحدث الأنظمة العالمية في مجال التعليم العالي ( نظام الليسانس – الماستر – الدكتوراه ) و طبقت معايير ذلك النظام شبرا بشبر و ذراعا بذراع ، حتى أنها حازت قصب السبق وطنيا بشهادة الخبراء المحايدين على احترام الضوابط و المواصفات التربوية المطلوبة و استصحبت الجدية و الصرامة العلمية و تميزت بذلك رغم الصعوبات و العراقيل الكثيرة و المتنوعة التي من الطبيعي أن تواجه أي مشروع جديد ، و تمكنت الجامعة – مع ذلك – من تخريج جيل من الخريجين الشباب في مختلف التخصصات يتساوقون مع حاجة السوق الوطني من الكوادر البشرية المؤهلة و المكونة تكوينا جامعيا حديثا ( الدفعة الثامنة تتخرج هذا العام 2020 م).

و الدليل على ذلك أن خريجي الجامعة لم يجدوا أي إشكال في متابعة دراساتهم العليا في الجامعات التي واصلوا أو يواصلون فيها تحصيلهم الجامعي ، ما يعني أن إعدادهم تم وفقا لأحدث الطرق و الآليات المطلوبة عالميا .

بل أكثر من ذلك فإن كثيرا من هؤلاء تفوقوا على نظرائهم من الدول الشقيقة و الصديقة ، وأظهروا قدرات استيعابية مميزة في امتلاك ناصية البحث العلمي و أدواته و أساليبه ، مثلا ما أثبت أن تكوينهم الأساسي كان قد أنجز على أكمل وجه !

كما أن الجامعة أثبتت صدقية فرضية لامركزية التعليم العالي ، و أهمية خلق أقطاب معرفية تعزز التنمية الجهوية في البلاد ، ما يؤشر إلى أن الجامعة بحق هي مشروع استراتيجي هام للبلاد يمكن الرهان عليه في زيادة إشعاع البلاد و استمرار دورها في دول افريقيا جنوبي الصحراء و العالم بأسره !

و زادت الجامعة من حضورها المطلوب في المؤسسات العربية و الإسلامية المماثلة ، و هي أول جامعة موريتانية تحظي بعضوية المكتب التنفيذي لاتجاد الجامعات العربية ، وعضوية اتحاد الجامعات الإسلامية رغم حداثة تأسيسها كما تمت الإشارة.

إن الإنجازات الكبيرة التي حققتها الجامعة تمت بفضل الله سبحانه و تعالى أولا ، ثم بدعم و رعاية قطاع الوصاية ( وزارة الشؤون الإسلامية و التعليم الأصلي) ، و هو ما يثبت أن هذه الوصاية كانت مفيدة من الناحية العملية و أسهمت إلى حد كبير في تشجيع الجامعة الوليدة على البقاء و النهوض بها و دفعها إلى المزيد من النتائج المهمة تحقيقا لأهدافها التي أنشئت من أجلها .

كما أن تجارب الوصاية في بعض الدول كمصر و المغرب و تونس تثبت أن بلدنا ليس بدعا في جعل وصاية قطاع الشؤون الإسلامية على بعض مؤسسات التعليم العالي .

و العبرة كما هو معروف بالخواتيم و المآلات ، و هي قطعا بحسب شهادة الجميع تثبت أنها في حالة بلادنا كانت وصاية إيجابية وليست سلبية ، وهذا أقل درجات الإنصاف في الحكم عليها .

صحيح أن طموحنا كبير و له شرعيته لأنه بحجم الوطن ، و الجامعات بطبيعتها تحتاج إلى من يقدرها حق قدرها اعترافا بالنتائج المهمة التي تحققها و تلافيا للسلبيات و النواقص وهي أمر طبيعي فالكمال لله وحده و العمل البشري من شأنه القصور مهما حاول إظهار خلاف ذلك! .

أما تثبيط الهمم و التيئيس و التشكيك في النوايا و التشاؤم المطلق فإنه لا يضر إلا أصحابه من الذين لا يعملون و يزعجهم إن عمل غيرهم .

فالتحية ، كل التحية ، لمن يعملون في صمت و ثقة ويجتهدون و لا يدخرون جهدا . و لا عزاء للكسالى و العاجزين.

د. أحمدَ ولد نافع

باحث و أستاذ جامعي – مؤسس المرصد الإفريقي العربي لقضايا التنمية و الإرهاب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق